ولا شاقني ربعٌ خلا من أنيسِهِ ... فأضحتْ به آرامُهُ وزقازقُهْ
ولكّن دّهرًا ضاق بعد اتساعِهِ ... وجاءت أمورٌ وسّعتها مضايقُهْ [1]
وماذا يجدي الأرق في مواجهة عدو الاقتدار عليه متعذر، والإمساك به محال؟ يأبى الإستقرار، ويقابل الثبات، لا يمنح مرغوبًا فيه حتى يسرع إلى استرداده، ولا يقر حالًا حتى ينسخها بنقيضها، قال قيس بن الخطيم:
ألمْ تَرَ أحوالَ الزمانِ وريبَها ... وكيف على هذا الورى يتنقَّلُ؟ [2]
إنّ نظرة الشاعر إلى هذه القوة الجبارة نظرة الضعيف الخائر قد حملته على اعتقاد مفاده إنّ مقارعة تلك القوة غير ممكنة، وآية ذلك عجز من سبقه المحاولة، قال النابغة الذبياني:
تكلّفِني أنْ يغفل الدّهرُ همّها ... وهل وجدتْ قبلي على الدَّهرِ قادرا [3]
وإنّ استسلامه لمشيئة الزمن القاهر له، وتشاؤمه منه إثر تكرار مآسيه عليه أفقداه الثقة به، والاطمئنان إليه، فعدّ من يثق به كمن يضع الثقة في غير موضعه، ويجهل سوء العاقبة، قال مصاد بن مذعور:
فيا واثقًا بالدّهْرِ كُنْ غير آمنٍ ... لما تنتضيه الباهظاتُ الفوادحُ
(1) ديوانه: 218 - 220.
(2) ديوانه: 240، وينظر: ديوان الأعشى: ق 37 ب 45/ 245.
(3) ديوانه: 67.