مسؤولًا عنها ليست إّلا تجارب استمدها من واقعه وذاق مرارتها، وهو في ذكره لها وامتعاضه منها إنّما يضع بين يدي متلقيه خلاصة تلك التجارب ليكون على بينة منها وكأنه يحذّره من الاطمئنان إلى الأيام أو إلى الحياة، وقد أصبحت هذه التجارب بلا شك رافدًا جوهريًا ومصدرًا ثرًّا للشاعر لأن يصوغ من معدنها حِكَمه التي تعدّ معينًا لدارسة النفس العربية على صعيدي المبدع والمتلقي [1] .
يتضح مما سبق إنّ التناقضات التي ماج بها واقع الشعراء وشهدتها حياتهم الفكرية كانت كبيرة ومقلقة، ولم يتهيأ لهم أن يقدموا لها تفسيرًا أو يجدوا لها تعليلًا سوى عزوها إلى الدهر لافتقارهم إلى إيمان قوي يفسر لهم تناقض الحياة، ويرفعهم على صرفها المتقلب، ويغلب في نفوسهم الجانب الإنساني الرفيق على الجانب الحيواني المسرع إلى الشر والجهل [2] .
لقد أحس الشاعر تحت وطأة الدهر بأن الإحتراس منه لا يوقف نوبه وصروفه مهما أوتي من حدة البصيرة، وقوة الحزم، وسعة الثراء، قال امرؤ القيس:
ولبيبٌ أيّدٌ ذو حيلةٍ ... مُحْكمُ المِرِّةِ مأمونُ العُقَدْ
حصَّه الدهر وغطىَّ حَزْمَه ... و انتضاه من عبيدٍ وسَبَدْ [3]
وشبيه بهذا قول عدي بن زيد العبادي:
ألمْ تَرَ أنّ ريبَ الدَّهر يعلو ... أخا النَّجداتِ والحصنَ
(1) الحكمة في الشعر العربي قبل الإسلام: 38، 107.
(2) الشعر الجاهلي منهج في دراسته وتقويمه: 1/ 405ـ406، وينظر: رثاء الأبناء في الشعر الجاهلي: 101.
(3) ديوانه: 219، وينظر: ديوان ذي الإصبع العدواني: ب 2 - 6 ق 22/ 99.