الصفحة 58 من 392

أما الحاضر فلحظة ذات كيان وكيانه متأت من أهله الذين يمنحونه سمته، ومن أحداثه التي تطبعه بطابعها، يسوء إذا ساء الأهل والأحداث ويطيب إذا صلحا وطابا، وكان حاضر الشاعر يشعره الخوف والنفور إذا لفّه الفقر الذي كان يهدد حياته ويحرمه عيشه ويعرضه للجفوة والازدراء [1] ، ويضيق به الشيوخ أيضًا فيمنعون في مقته، لأنه يقربهم من الأجل المحتوم والنهاية المفزعة أو يعجزهم ـ في الأقل ـ عمّا كانوا يقوون عليه من فعال تلبية لحاجات النفس أو استجابة لدواعي القبيلة، قال عمرو بن قميئة:

كأنيّ وقد جاوزتُ تسعينِ حِجّةً ... خلعتُ بها يومًا عِذارَ لجامي

على الراحتين مرةً وعلى العصا ... أنوءُ ثلاثًا بعدَهُنَّ قيامي [2]

إنّ فقدان التوافق بين ذات الشاعر وعالمه الخارجي المتمثل بالمرأة والسلطان والأسرة والقبيلة وما إليها، يقف دائمًا وراء قلقه من الحاضر ويكون مدعاة للخوف منه والبحث عن عالم ثانٍ قريب من نفسه المؤذاة، يغريه بالانتماء إليه أو الاتحاد معه، قال الملتمّس الضبعي:

إنّ الهوانَ حمارُ القوم يعرفه ... والحُرُّ ينكره والرَّسلةُ الأُجُدُ [3]

(1) ينظر: ديوان عروة بن الورد: 91.

(2) ديوانه: 38.

(3) الرسلة: السهلة، ويقال: نوق مراسيل. الأجد: المؤثقة الخلق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت