الصفحة 57 من 392

فقد بات يقينًا عنده أن المتعة شيء، والاطمئنان شيء آخر، وهيهات أنْ يجتمع الشيئان ما دامت هموم الغد تخالط الصدور فإذا أكتملت أسباب النعمة عند الشاعر، فإنّ أسباب الإطمئنان لن تكتمل، والزمن القادم يحمل الأسرار المخيفة، والأحداث العنيفة [1] ، ولم يكتب له التحقيق على أرض الواقع، وقد أيقن أنَّ تكرار المحاولة في هذا المنحى لن يأتي بجديد يتوق إليه، ولن يغير حالًا يروم تغييره، ولن يدفع عنه خوفًا يسعى إلى ا لفكاك منه، فنفض يديه من هذا الغيب الذي لا يدرك كنهه إلاّ الله، فبذلك تحرر من بعض خوفه، واستعاد شيئًا من اطمئنانه، قال الربيع بن زياد:

أقولُ، ولم أملك لنفسي نصيحةً ... أرى ما ترى، واللّه بالغيب أَعلَمُ [2]

فكل شيء مرهون بالآتي، وكلّ ملاق نصيبه من المرقوم له من خير أو شر، قال طرفة:

إذا ما أردتَ الأمرَ فامْضِ لوجهه ... وَ خَلِّ الهُوَينَى جانبًا متنابيا

و لا يمْنَعَنْكَ الّطيرُ مما أردتَهُ ... فقد خُطَّ في الألواحِ ما كنتَ لاقيا [3]

(1) الزمن عن الشعراء العرب قبل الإسلام: 247.

(2) شعر الربيع بن زياد (في مجلة) : 398.

(3) ديوانه: 238.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت