الصفحة 56 من 392

يدري أنه آت لا محالة، ولكن ما عساه أنْ يفعل وليس أمامه وفي مقدوره سوى حاضره، فيتشبث بالحاضر ويتهالك على العيش [1] ، فقد أظهر عنترة خوفه على الحاضر المنعم، إذ نظر بعين الارتياب والحذر إلى الغد الذي لا يؤتمن، مدركًا أن الغد لا بد سائر باتجاه الحاضر، وقد يحمل في طياته ما يلغي نعيمه ويحيله جحيمًا، فلم يبق للمرء المهددة نعمته بالزوال إلاّ أن يحتفي بالراهن المنعم قبل أن يدهمه الخطر القادم إليه من عالم الغيب الرهيب، قال:

فلا تكفرِ النُّعمى وأثْنِ بفضلها ... ولا تأمننْ ما يُحدثُ اللّهُ في غدِ [2]

بيد أنّ استجابة الحاضر لرغائب الإنسان، ومطاوعته لما تنزع إليه نفسه من المتع، وأسباب اللهو لم يكونا بديلين عن همه الكبير (الغد) ، ولم يقدما له الإجابة عن سؤاله الذي طالما أسلمه إلى الحيرة والقلق، وحرمه من المتعة الخالصة على الرغم من تقلبه في أكنافها، قال امرؤ القيس:

كأنّ المُدامَ وصوبَ الغمامِ ... وريحَ الخُزامى وَنَشْرَ القُطُرْ

يُعَلُّ به بردُ أنيابها ... إذا طَرَّبَ الطائرُ المستحرْ

فبِتُّ أُكابدُ ليلَ التِّما ... مِ والقلب من خشيةٍ مقشعرْ [3]

(1) الزمن عند الشعراء العرب قبل الإسلام: 248.

(2) ديوانه: 288.

(3) ديوانه: 157 - 158.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت