الصفحة 55 من 392

زعمَ الغرابُ بأنّ رحلتنا غدًا ... وبذاك خبَّرنا الغُدافُ الأسودُ

لا مرحبًا بغدٍ ولا أهلًا به ... إنْ كان تفريقُ الأحبّةِ في غدِ [1]

وقد مال الشاعر في حومة الحيرة التي انتابته، والخوف الذي لازمه ـ تجاه الغد المجهول ـ إلى عقد الموازنة بينه وبين المعلوم المتمثل بالآن الحاضر فأوصلته الموازنة إلى حقيقة مفادها أنَّ البون بينهما شاسع، وأنَّ التفاوت كبير في درجة العناء منهما، فالمعلوم كان مجهولا ثم اتضح، وتعين، وفي تعيينه ما ييسر على المرء اغتنام الفرصة لاختيار العدة الملائمة للتصدي له، وإدارة الصراع معه، فالمعلوم أحادي الجانب يحفز على التماس المعالجة، في حين يتسم المجهول باللاتعيين والسرية، فضلًا عن طابع المداهمة المفاجئة التي ترهب الإنسان وتعطل قواه وتحول بينه وبين تقديم تفسير أو معالجة للأحداث عن قصد وتصميم مسبقين، فهذا الشاعر المثقب العبدي لا يضيق بالمعلوم كثيرًا لامتلاكه ما يتفادى به أخطاره، لكن الغيب يثير قلقه، ويضعه أمام سؤال كبير عن المجهول:

دَعِي ماذا علمتُ سأتّقيهِ ... ولكنْ بالمغيَّبِ نَبِّئيني [2]

إنّ استعصاء الغد على الإنسان سوّغ له الهرب إلى الحاضر والتشبث به، فجدّ في طلب المال والصحة والشباب واللهو والمروءة وما إليهما من المباهج التي لا يعطي الغد ضمانه على ديمومتها والإبقاء عليها، فالشاعر المتوجس من الغد يهرب منه إلى سواه، وهو

(1) ديوانه: 89 - 90، الغداف: السابغ الريش.

(2) ديوانه: 213.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت