إنّ الشاعر ليحس احساسًا عميقا بمطاردة الغد له ومعاداته لأمانيه، هو يرجو الخير ويسعى إليه، لكن مسعاه يبقى رهين الغد الذي له القرار الفصل في أن ينيله الخير الذي يتمناه، أو يصيبه بالشر الذي يخشاه، وقد وجد الشعراء في قولهم:"ما أدري"المرآة العاكسة لعظم الحيرة التي تعتريهم والقلق الذي يغزوهم، والجهل المطبق الذي يلفهم حول سر الزمن الآتي، إنه إرادة الإنسان المرغمة المستسلمة قبالة إرادة الغد الفاعلة، وقد عبّر المثقب العبدي عن صورة ذلك الصراع بين تينك الإرادتين غير المتجانستين بوضوح وجلاء [1] .
إنّ طبيعة الجزيرة العربية التي غلب عليها القحط والجدب أذاقت إنسانها مرارة الحياة وجعلته يخاف الفقر ويبغضه وأيّما بغض، فخاف جراء ذلك المستقبل الذي قد يحمل إليه هذا المبغوض المخيف، فاحتاط للأمر قبل أن يباغته فادخر قسطًا من ماله وطعامه لتطمين حاجاته الملحة في غده، بيد أن أوس بن حجر وقف عند الجانب ا لآخر من هذا المجهول ونظر إليه بمنظار ملوّن بالأمل والتفاؤل كأنه والغد على وفاق ومصالحة، إذ قال:
ولستُ بخابىءٍ أبدًا طعامًا ... حِذارَ غدٍ لكلِّ غدٍ طعامُ [2]
ويعد التطير من الصور التي عبّر بها الشاعر عن خوفه من الزمن القادم، ولعل صورة الغراب كانت أظهر تلك الصور وأكثرها دورانًا في أشعارهم، فقد قرنوه بالتشاؤم، لأنه ينذرهم بالسوء وفراق الأحبة ورحيل القوم، حين يطرق سمعهم بشحيحه الذي صيّر النابغة يمقت الغد ويستثقل حلوله لما سيقع فيه من انفصام الصلة والفرقة بين الأُلاف، قائلًا:
(1) ينظر ديوانه: ق 5 ب 45ـ46/ 212.
(2) ديوانه: 115.