الصفحة 88 من 392

لعمري لئن عشرّتُ من خشية الردى ... نهاقَ الحمير إنّني لجزوع [1]

ولا شك في أن المرء يطمئن إلى المكان إذا ما اطمئن إلى أهله، ويعتريه منه الخوف والقلق إذا ما ساء أهله، وتوقع منهم الأذى فيسعى جاهدًا إلى تجنب ذلك المكان والإنصراف عنه إلى ملجأ يضع عنه ثقل إحساسه الكئيب، ويحميه من غائلة السوء الذي يخشاه، ويتوقع وقوعه، قال ذو الإصبع:

عفٌّ نديٌّ إذا ما خِفتُ من بلدٍ ... هُونًا فلستُ بوقّافٍ على الهُونِ [2]

إن احتمال الضيم وعزة النفس لا يمكن أن يجتمعا في صدر الحر الكريم، فلم إذن الإقامة بالمكان الموحش، وفي الأرض متسع له، مع إمكان خلق البدائل التي من شأنها أن تحفظ الكرامة، وتصون العرض وتؤنس النفس [3] .

إنّ خوف العربي من المهانة كثيرًا ما كان يحمله على التصدي لأسبابها بحزم وقوة، وإذا ما عجز عن امتلاك القوة اللازمة لقهرها واستئصال شأفتها وطّن نفسه على مغادرة المكان غير اسف عليه، قال عبد قيس بن خفاف:

واتركْ محلَّ السَّوءِ لا تحللْ به ... وإذا نبا بك منزلُ فتحوَّل

دار الهوانِ لمن رآها دارَه ... أفراحلٌ عنها كمن لم يرْحل؟ [4]

ولم تكن (نخلة القصوى) التي خافها المتلمس وخوّف ناقته منها إلاّ ظلًا لنفس الشاعر الخائفة، وصدى لوساوسه، وهواجسه التي ساورته من الملك عمرو بن هند الذي كان يجدّ في طلبه ويتربص به الفرص لإهلاكه [5] ، وتعد بلاد الغربة مكانًا مجهولًا للوافد عليه يخافه، ويتوقع منه المكاره لجهله به، وبطبائع أهله، قال عبدة بن الطبيب:

تذكّرَ ساداتُنَا أهلهمْ ... وخافوا عمان و خافوا قَطَرْ

(1) ديوانه: 95.

(2) ديوانه: 94، وينظر: ديوان المتلمس: ق 4 ب 3 - 4/ 77 - 78، وق 12 ب 9/ 213.

(3) ينظر: لامية العرب: 28.

(4) المفضليات: 385، وينظر: ديوان قيس بن الخطيم: ق 11 ب 3 - 4/ 153.

(5) ديوانه: ق 4 ب 10/ 85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت