فهرس الكتاب
وحينما يكون مكان ما حمى لقبيلة، أو لملك يكون مصدر خوف لآخرين، لا يجرؤن على ارتياده، أو الإقتراب منه، أو التربع فيه لتلونه بلون القوة المخيفة التي تقف وراءه وتحميه، فوادي"أُقُر"العميم بالخير والمياه يصوره النابغة مرعبًا، ويحذر قومه مغبة الحلول فيه، قائلًا:
لقد نهيتُ بني ذيبانَ عن أُقُرٍ ... وعن تربُّعِهِمْ في كلِّ أصْفار
وقلت: يا قومُ إنّ اللّيثَ منقبضٌ ... على براثنهِ لوثبةِ الضّاري [1]
وإذا ما اخترقت قبيلته حاجز الخوف ورعت في بلاد أعدائها كان ذلك برهانًا على قوتها وشدة بأسها اللتين بهما تفرض إرادتها عليهم وترغمهم على الصمت والقبول كارهين دونما اعتراض، يقول عوف بن عطية بن الخرع:
ونرْعى ما رعيْنا بين عَبْسٍ ... و طيِّئِهِا و بيْنَ الحِيِّ بكر
وكلُّهُمُ عدُوٌ غيرُ مُبْقٍ ... حديثٌ قُرْحُه يسعى بوتر [2]
ومن المظاهر الدالة على الخوف من المكان أن يُعَشِّر الداخل بلدًا غريبًا أو موبوءًا تعشير الحمار لِئَلاَّ يصيبه أذى أو وباء [3] ، ومن أمثلة الأمكنة المشهورة التي تطير منها الناس آنذاك"خيبر"التي كانت معروفة بحمّاها، يؤكد ذلك قول عروة بن الورد الذي يعد خروجًا صريحًا على ما اعتاد عليه الناس من الحبو والتعشير خوفًا من دواهيها واتقاء شرّها منساقين في ذلك وراء تلك الخرافة التي تسربت إليهم من دين اليهود، بيد أن عروة لا يعبأ بهذه الخرافة، ولا ينصاع لسلطانها قائلًا:
وقالوا: احْبُ وَانْهَقْ، لا تُضيرُك خيبرٌ ... وذلك من دين اليهودِ وَلوعُ
(1) ديوانه: 75.
(2) المفضليات: 328.
(3) ينظر: الحيوان: 6/ 358، وصبح الأعشى في صناعة الإنشا: 1/ 407 - 408، والمفصل في تأريخ العرب قبل الإسلام: 6/ 807.