الصفحة 86 من 392

مصورًا الفزع الذي يملأ قلوب المسافرين على متن البحر، مجسدًا ذلك في أغضائهم الطرف لتفادي رؤية الأمواج المتلاطمة فضلًا عن إبانته حالة الضعف والإعياء التي تعتورهم فتملي عليهم تذكر الآثام واستحضار ما بدر منهم من سوء وكأنهم في النزع الأخير:

أُجالدُ صفَّهمْ، ولقد أَراني ... على قَرْواءَ تسْجُدُ للرياحِ [1]

مَعبَّدة السقائفِ ذاتِ دُسْرٍ ... مُضبَّرةٍ جوانبها، رَداحِ [2]

إذا ركبت بصاحبها خليجًا ... تذكّرَ ما لديه من جُناح

يمرُّ الموجُ تحت مُشجّراتٍ ... يلين الماءَ بالخُشبِ الصحاح

ونحن على جوانبها قُعُودٌ ... نغُضُّ الطّرْفَ كالإبل القِماحِ [3]

ومن الأمكنة المخوفة أيضًا الأودية التي أظهر الشاعر تجاهها مشاعر الوحشة والخوف لعمق أغوارها وشراسة الوحوش التي تألفها، ولهذا عدوا اجتيازها واقتحام مجاهيلها ضربًا من البطولة النادرة التي تدعو إلى التباهي، وتثير الإعجاب، قال الشنفرى:

ووادٍ بعيدِ العَمق ضَنْكٍ جُماعُه ... مراصدُ أيْم قانتِ الرأس أخوفُ

وحوشٍ موى زادِ الذئابِ مضِلَّة ... بواطنه للجِنِّ والأُسد مألف [4]

تعسفت منه بعد ما سقط الندى ... غماليل يخشى عليها المتعسف [5]

و آبَ إذا أجرى الجبان وظنَّه ... فلي حيث يخشى أن يجاوزَ مِخْشَف [6]

(1) القرواء: الناقة الطويلة السنام، شبّه بها السفينة.

(2) المضبرة: الموثقة الخلق، رداح: الواسعة.

(3) ديوانه: 47 - 48، الإبل القماح: التي ترفع رؤوسها وتغض أبصارها عند الحوض ولا تشرب الماء لشدة برده، أو لعلة أخرى.

(4) الحوش: بلاد الجن.

(5) غماليل: روابي.

(6) ديوانه: 38 - 39، مخشف: جريء على هول الليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت