الصفحة 85 من 392

ومن الأمكنة التي يحف بها الخوف مشارب المياه وعيونها، فلم تكن هذه المشارب على طرق الأسفار أمكنة مأمونة الجانب تطمئن إليها نفوس مرتاديها، بل كانت محاطة بأخطار تهدد حياة المقبلين عليها، وهم في أوج الحاجة إلى عمدة الحياة، وفي أشد لحظات الضعف الإنساني أمام قهر الطبيعة له، فالشنفرى الأزدي لا يرد عيون الماء إلاّ لمامًا واستجابة للحالات القصوى وتحت وطأة الحاجة الملحة خشية أن يقع فريسة سهلة في قبضة أعدائه الذين يتوقع كمونهم له، وإيقاعهم به [1] :

وأظهر صورة للخوف من هذه الأمكنة تجلى عند عروة بن الورد الذي أخضع ما حول منهله لعملية رصد دائمة، ودقيقة وحذرة، لئلا يداهم الأعداء رهطه على حين غِرّة، وهم منهمكون في إعداد الطعام، ومنصرفون عن الغارة وشؤونها إلى شؤون الذات مؤقتًا، قال:

إذا ما هَبَطنْا منهلًا في مخوفةٍ ... بَعَثْنا ربيئا في المرابىء كالجِذْل

يُقِّلِبُ في الأرض الفضاء بطَرفه ... وهنّ مُناخاتٌ، ومرجلنُا يغلي [2]

أما البحر فمثلما يقترن بالنوال والجود يقترن بالرعب والرهبة أيضًا، لهوله الشديد وأمواجه الطامية، لا سيما إذ هبت عليه الرياح الهوج التي تزيد ثورته وتضاعف عنفه، قال النابغة مادحًا النعمان:

فما الفراتُ إذا هبّ الرياحُ له ... ترمي غَواربُه العِبرينِ بالزَّبدِ [3]

يمدّه كلُّ وادٍ مُتَرعٍ لَجِبٍ ... فيه ركامٌ من الينبوتِ والخَضَدِ [4]

يظلُّ من خوفه الملاّح معتصمًا ... بالخيزُرانةِ بعد الأيْنِ والنَّجَد

يومًا بأجودَ منه سيبَ نافلةٍ ... ولا يحول عطاءُ اليومِ دون غدِ [5]

ولا ريب في أن الأهوال التي تصادف راكب البحر لا يقوى على احتمالها إلاّ من كان جلدًا قوي القلب، ومن هنا وجد بشر بن أبي خازم في ركوبه البحر مدعاة للفخر بنفسه، ومبعث إكبار لشأنه،

(1) ينظر: ديوانه: 37.

(2) ديوانه: 116 - 117.

(3) عبرا الوادي: جانباه.

(4) الينبوت والخضد: نبتان.

(5) ديوانه: 26 - 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت