الصفحة 84 من 392

وثغرٍ مخوفٍ أقمنا به ... يهابُ به غَيْرُنا أن يُقيما [1]

وقال بشر بن أبي خازم:

تُحلُّ مخوفَ كلِّ حمًى وثغرٍ ... وما بلدٌ نليه بمستباحِ [2]

وكان الشاعر العربي يجد في هذه الثغور معينًا يستمد منه معاني اعتداده بنفسه وقومه، ويبني منها بعض مفاخره، ويفصح من خلالها عن شجاعته التي تؤهله للمكث فيها صابرًا غير عابىء بالمخاطر التي تحدق به مؤثرًا الشرف والمجد على السلامة والخصب [3] .

وكثيرًا ما كانت هذه الثغور المحصنة بصدور أبطالها، وبالإرادة الصلبة للرابضين فيها تزرع الفزع في أفئدة المتحيينين ساعات الضعف والغفلة للإنقضاض عليها لتنفيذ مآربهم الشريرة، وتحقيق أحلامهم الدنيئة، لكن الخشية حالت بينهم وبين اتيانها أو الدنو منها، قال زهير بن أبي سلمى يمدح هرمًا:

متى تسدد به لهَواتِ ثغرٍ ... يُشارُ إليه جانبُهُ سقيمُ [4]

مخوفٍ بأسه يكْلاك منه ... قويٌ لا أَلَفُّ ولا سَؤُومُ [5]

ونظرًا لأهمية هذه الثغور لكونها القوة الضاربة أوالرادعة المباشرة للأعداء، فإن الشاعر أولاها عناية بالغة تمثلت في حرصه الدؤوب على أن تكون قوية منيعة، ومخيفة للأعداء، موقنًا بأن ضعفها يمنح الأعداء فرصة سانحة للنفوذ من خلالها إلى الأرض العربية لنهبها وإذلال أهلها، ومن هذا الوعي انطلقت دعوى لقيط ابن يعمر الإيادي المخلصة، المحفزة على التأهب والمحرضة على ملاقاة الخطر القادم من كسرى وجيشه، وهو يعلم أن الخطر يبدأ أول ما يبدأ من تلك الثغور:

وقد أظَّلكُمُ من شطرٍ ثغركمُ ... هولٌ له ظُلَمٌ تَغْشَاكُمُ قِطَعَا [6]

(1) شعره: 387.

(2) ديوانه: 44.

(3) ينظر: ديوان شعر الحاردة: ق 3 ب 13، 14، 25/ 53 - 63.

(4) اللهوات: يريد بها أفواه الثغور، جانية سقيم: مخوف.

(5) شرح ديوانه: 210، يكلاك: يحفظك، ألفّ: ضعيف الرأي، سؤوم: ملول.

(6) ديوانه: 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت