الصفحة 90 من 392

عليِك مثلُ الذي صلَّيتِ فاغْتَنِمِي ... يومًا فإنَّ لجنبِ المرءِ مُضْطَجَعَا [1]

إنها فترة الانتقال، وفترات الانتقال تكون عادة مليئة بالخوف والتمزق لأن الإنسان يغادر فيها عالمًا يعرفه إلى آخر لا معرفة له به [2] ، ولهذا فإن الإحساس بالوحشة قد يبدأ منذ اللحظة التي تطأ فيها قدما المسافر أرض الغربة، وقد بدا هذا الإحساس واضحًا في قول عمرو بن قميئة وهو يصف مشاعر ابنته التي أثارتها أرض الغربة، فندمت على مفارقة بلاد قومها، وحنت إلى أهلها فاستعادت أجواء الذكرى يوم كان الشمل مجتمعًا:

قد سألتني بنت عمرو عن الـ ... أرض التي تُنكرُ أعلامَها

لمّا رأتْ ساتِيْدَمَا اسْتَعْبَرَتْ ... للّه درُّ ـ اليومَ ـ مَنْ لامَها [3]

تذكَّرتْ أرضًا بها أهلها ... أخوالها فيها وأعمامها [4]

مثلما تترك الإقامة مع الواقع السيئ آثارًا نفسية مدمرة في المرء وتلحق به أذى كبيرًا، فإن الغربة لا تقل عنها شأنا في إحداث التدمير المماثل والأذى المشابه وأي أذى أشد إيلاما للإنسان، من أن يداري عدوه كأنه صديق حميم، قال زهير بن أبي سلمى:

ومن يغترب يحسب عدوًا صديقه ... ومن لا يكرّمْ نفسَهُ لا يكرّمِ [5]

إنها غربتان غربة النفس وغربة المكان تتكالبان على الغريب لتسحقه، قال امرؤ القيس:

يجولُ بآفاق البلادِ مغرِّبًا ... وتسحقه ريحُ الصّبا كلَّ مسحقِ [6]

ويتضح هذا الشعور المؤلم على أشد ما يكون لدى علقمة إذ يتضافر على إعناته المكان والحرمان فيعيش الغربتين، قائلًا:

(1) ديوانه: 101، الحيزوم: وسط الصدر، الضلع: الأضلاع.

(2) دراسات تطبيقية في الشعر العربي: 361.

(3) ساتيدما: جبل.

(4) ديوانه: 73.

(5) شرح ديوانه: 32.

(6) ديوانه: 171.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت