فهرس الكتاب
فلا تَحرميني نائلًا عن جنايةٍ ... فإنّي امرؤٌ وسطَ القِباب غريبُ [1]
فالنائي عن بلده قد يجد كل ما حوله موحشًا معاديًا له، ولا يقوى على مواجهته كما لو كان في بلده ومؤيدًا بقوة قومه، وما البكاء الذي أجهش به (صُرد) صاحب السليك إلا صورة مجسّدة للخوف من المكاره:
بكى صُرَدٌ لما رأى الحيَّ أعرضتْ ... مهامِهُ رملٍ دونهم وسهوبُ
وخوّفه ريبُ الزمان وفقرُه ... بلادَ عدوٍّ حاضرٍ وجدوبُ
و نأيٌ بعيدٌ عن بلادِ مُقاعسٍ ... وأنّ مخاريقَ الأمور تُريبُ [2]
ويطالعنا طرفة بصورة معبرة عن إحساسه الممض بالغربة، وعذابه المر في المنتأى وهي بلا شك صورة لنفسه الموارة بالوحشة والشكوى والحنين بعيدًا عن الأهل والخلان، تبدو عليه هذه المشاعر الكئيبة منذ الأبيات الأولى من قصيدته التي يدعو فيها ابنة مالك بلهجة تفيض حزنًا لتودعه إلى ديار الغربة القصّية قائلًا:
قفي ودِّعينا اليوم يا ابنةَ مالكِ ... وعوجي علينا من صدور جمالك
قفي لا يكن هذا تعلَّةَ وصْلِنا ... لبينٍ ولا ذا حظَّنا من نَوالك
أخبِّرْكِ أنّ الحيَّ فرّق بينهم ... نوى غربة ضرّارة لي كذلِكِ [3]
ويبلغ شعوره بالغربة والألم ذروة مداه حين يُواجَه من جارته بسؤال معيّرٍ عن الأهل والدار فيجيبها إجابة حافلة بالدعاء عليها لأن تمنى بغربة جامحة مثل غربته، فضلًا عن أن تشبيهه الغربة بالموت يكشف عن شدة مكابدته وعمق كلومه، كما أن تحشيده كل المعاني الدالة على الضعف والضعة والضياع عبر مقارنته بين محاسن الإقامة بين الأهل ومقابح الغربة جاء مجسدًا للوعته العاصفة وحزنه الماحق اللذين لا
(1) ديوانه: 43.
(2) ديوانه: 44، مقاعس: جد السليك ..
(3) ديوانه: 104.