فهرس الكتاب
يقوى على احتمالهما، لقد بدا في غربته أشبه ما يكون"باليتيم الفطيم الذي ثكل أبويه، فلا أم ترأف، ولا أب يحدب عليه" [1] ، قال طرفة:
ولا غَرْوَ إلا جارتي وسؤالها ... ألا هل لنا أهلٌ؟ سُئلت كذلِك
تعيّرني جوبَ البلادِ و رحلتي ... ألا ربّ دارٍ لي سوى حُرِّ دارك
وليس امرؤ أفنى الشبابَ مجاورًا ... سوى حيِّهِ إلاَّ كآخرَ هالِك
ألا ربّ يوم لو سقمتُ لعادني ... نساءٌ كرامٌ من حييّ ومالِكِ [2]
ويتلفت طرفة الغريب القاعد في مهب الريح يمنة ويسرة فلا تقع عيناه على سوى بعيره الضامر فيتضاعف شعوره بالقهر:
ظللتُ بذي الأرطى فويق مثّقبٍ ... ببيئة سوءٍ هالكًا أو كهالكِ [3]
تردُّ عليُّ الرّيحُ ثوبيَ قاعدًا ... إلى صَدَفِيٍّ كالحنيّةِ باركِ [4]
إن مشاعر الفرح التي كان الهاربون من واقعهم يمنون أنفسهم بتحقيقها في مواطن الغربة كثيرًا ما كانت تصطدم بمشاعر معاكسة وآية ذلك حنينهم الدائم إلى أوطانهم، وشكواهم المستمرة من قلة الأنصار، ونبرتهم الحزينة المؤكدة لضعف جانبهم ودنو أقدارهم، قال الأعشى:
إلى معشرٍ لا يُعرَفُ الودُّ بينهُمْ ... ولا النسبُ المعروفُ إلا تنسُّبا
أراني لدن أنْ غاب قومي كأنَّما ... يرانِيَ فيهمْ طالبُ الحقِّ أرنبا
دعا قومه حولي فجاؤوا لنصره ... وناديتُ قومًا بالمُسَنّاة غُيَّبَا
فأرضَوْهُ أنْ أعطَوْهُ مني ظُلامةً ... وما كنت قُلاًّ قبل ذلك أزْيَبا [5]
(1) الحنين إلى الأوطان (في مجلة) : 153.
(2) ديوانه: 109 - 110.
(3) ذي الأرطى ومثقب: موضعان.
(4) ديوانه: 106، الصدفي: بعير منسوب إلى (صدف) ، الحنية: ا لقوس.
(5) ديوانه: 115، وينظر له: ق 14 ب 9 -11/ 113، وديوان امرئ القيس: ق 46 ب 1 - 8/ 213 - 214. الأزيب: اللئيم الدعي.