الصفحة 93 من 392

أما الآثار المدمرة التي تحدثها الحرب والمتمثلة بإزهاق الأرواح وإراقة الدماء فتترك بصماتها البشعة وصورتها الكالحة على المكان الذي تقع فيه المجابهة، وما تأرجح المحاربين بين الإقدام على ساحة المعارك والإحجام عنها إلا إعراب عن مدى التوتر الذي يعاني منه خشية الموت وحرصًا منه على الحياة، وعلى هذا فإن الإلتفات إلى الجانب النفسي وإعداد المقاتل من الداخل قبيل نزوله المعترك يكتسبان أهمية كبيرة في التحكم بالنتائج المتمخضة عن الصراع الحربي، وقد جاء الخطاب الذي وجهه الشداخ الليثي إلى خزاعة وهو يحثهم على الإقدام مثالا رائعًا للتعبئة النفسية ضد مشاعر الخوف:

قاتلي القومَ يا خُزاعُ ولا ... يَدْخُلْكُمُ مِنْ قتالهم فَشَلُ

القومُ أمثالكُم لهم شَعَرٌ ... في الرأس لا يُنْشَرون إنْ قُتلوا [1]

الموت:

منذ الأزل اجتاحت الحيرة العنيفة الإنسان وما تزال تجتاحه وتلازم حياته أمام هذا اللغز الغامض"الموت"ويتعمق إحساسه به مع جريان الزمن، وتعظم رهبته منه كلما تقدمت سنه أو أزفت كبرته، غير أنه أيقن يقينًا لا ينازعه شك في أن الموت فناء يستهدف الحياة ويضادها، فانقبضت منه نفسه، وجدّ في مقته إياه وصراعه معه، منحازًا إلى الحياة حريصًا عليها، والحرص على الحياة نزوع إنساني طبيعي [2] لأن الحياة مكمن الآمال والأحلام والإنجازات قبالة الموت الذي يدأب على اغتيال الآمال ووأد الأحلام وقمع النوازع، وعلى هذا فالحياة مضمون إيجابي يقابل الموت الذي هو معنى مجرد ومضمون سلبي [3] ، ومن هنا منشأ الصراع بينهما، وهذا الصراع في جوهره صراع بين جميل مرغوب فيه، يخاف عليه، وجليل مرهوب منه يخاف وقوعه [4] إلا أنّ الجميل يسعى إلى طلب ا لديمومة بإرادة عاجزة مغلوبة، والجليل يأبى ولا يقول إلا

(1) ديوان: الحماسة: 60.

(2) شعر الحرب عند العرب (القيسي) : 7، وينظر: تهذيب الأخلاق: 209، وصراع الحياة والموت في شعر امرئ القيس: 268، ومفهوم الزمن في حضارة وادي الرافدين وعلاقته بالخلود (في مجلة) :47

(3) الذات والغرائز: 103.

(4) روح العصر، دراسة نقدية في الشعر والنثر والقصة: 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت