الصفحة 94 من 392

باستحالة الخلود وحتمية الموت المقدر، وقد راودت فكرة الخلود الجسدي هذه كلكامش بعد أن أفزعه الموت النازل بصاحبه انكيدو ومن أجل ذلك ركب الأهوال وتجشم المخاطر ينشد الخلود ليحتمي به من الموت، لكنه آب من مسعاه خائبًا مكسوف البال بعد أن يئس من حيازة الوجود الأبدي (المادي) وتأكد لديه أن ذلك محال وأن الموت نهاية كل الأحياء [1] .

ولا شك في أن هذه المعضلة العامة قد أقلقت الشاعر، وأقضت عليه مضجعه وشغلت ذهنه، وقد بدت آثارها على سلوكه ومجمل مواقفه، فنظر إلى الدنيا أو إلى الحياة نظرة متشائمة قاتمة ملؤها الإرتياب، فهي غدارة غرارة، وما الإنسان فيها إلا مخدوع مضلل يلهيه سراب كاذب عن حقيقة الموت الذي يترقبه، يقول أمية بن أبي الصلت:

فكُنْ خائفا للموتِ والبعثِ بعدَه ... ولا تكُ فيمن غرَّه اليومُ أوْ غدُ

فإنَّك في دنيا غرورٍ لأهلِها ... وفيها عدوّ كاشحُ الصدر يُوقِدُ [2]

وإن الذي ضاعف خوف هذا الإنسان من الموت هو مباغتته للأحياء فهو في عداد المجهول الذي لا يخضع لميقات، والغيب الذي يملأ الزمن كله ولا علم لأحد بزمن وقوعه، بيد أن انصراف الإنسان إلى ملذات الحياة وانسياقه وراء التوافه ألهياه عن الحقائق الرهيبة للموت الذي يتسلل إليه ببطء ويدب في أوصاله بخفاء فيتركه معطل النفس، هامد الجسد، يقول امرؤ القيس:

أرانا مُوضَعِينَ لأمرِ غَيْےے hےے ےےے7ےےang1ےے653UE? ... U? EC?C? ?EC?OU?CE?

عصافيرٌ و ذبّانٌ و دُودٌ ... وأجرأُ من مُجَلّحة الذّئاب

(1) ملحمة كلكامش: 135، والأسطورة في الشعر العربي قبل الإسلام (رسالة جامعية) : 114، 239.

(2) أمية بن أبي الصلت حياته وشعره: 181، وينظر: ديوان عدي بن زيد العبادي: ق 5 ب4 - 5/ 45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت