فهرس الكتاب
ولقد أحس الشاعر إحساسًا صادقًا بأن الموت يبدأ مع الميلاد، وما الزمن الممتد بينهما إلا أجزاء من الموت، كل منها يؤدي إلى الآخر الذي يليه حتى تنتظم الأجزاء ويكتمل الشوط، قال طرفة بن العبد:
أرى العيش كنزًا ناقصًا كلّ ليلةٍ ... وما تنقُصِ الأيامُ والدّهر ينفدِ [1]
وقال عدي بن زيد العبادي:
كيف يرجو المرء فوتًا للردى ... وهي في الأسباب رهنٌ مُخْتبلْ
كلّما خلّف يومًا فمضى ... زادهُ ذلك قربًا للأجَلْ [2]
ومن هنا فإن الشاعر قد أدرك ما أدركه فرويد بعد ذلك بمئات السنين من أن هاتين الغريزتين تعملان على الدوام معًا، وأن الموت بذلك ليس فعلًا يحدث عن انتهاء الحياة، بل هو فعل يبدأ دائمًا منذ اللحظة التي تبدأ فيها الحياة، فكل لحظة تمر هي لحظة هزيمة للحياة، وانتصار للموت، فالإنسان يموت كل لحظة وكل يوم موتًا جزئيًا لا يكاد يشعر به، ولعله لا يريد بطبيعته أن يشعر به، فهو أميل إلى الإقبال على الحياة مدفوعًا إلى ذلك بغريزة الحب بما نسميه في حياتنا اليومية الأمل والرجاء والإيمان وما شابه ذلك [3] ، فالشاعر موقن بأن اللحظة التي يأتي فيها إلى الوجود هي لحظة الإيذان بالموت، وهو لا يحيا إلا
(1) ديوانه: 54، وينظر: ق 19 ب 432/ 157.
(2) ديوانه: 99، وينظر: ديوان عبيد بن الأبرص: ق 16 ب 5 - 6/ 8، أمية بن أبي الصلت حياته وشعره: ق 76 ب1/ 246، وشعر قبيلة ذيبان في الجاهلية: ق 1ب 1 - 2/ 465.
(3) روح العصر: 24.