الصفحة 96 من 392

إن هذا الجهل المطبق بميعاد الموت قاد الشاعر إلى إلغاء اعتبارات المكان فيه، فلا السفر يعجل له الموت، ولا الإقامة بقادرة على المنع والإرجاء، فقد يقع في قبضته المرء وهو مقيم بين أهله، وينجو منه المغامر، فالاحتمال قائم في كليهما، إن الموت هنا وهناك، والخشية واحدة لا يوهنها الإبدال المكاني، قال الأعشى مخاطبًا ابنته التي خافت عليه أهوال الرحلة:

أفي الّطوفِ خفتِ عليّ الرّدى ... وكم من ردٍ أهلَه لم يَرِمْ [1]

وتتأزم هذه المعاناة عند طرفة بن العبد فتقوده إلى الإقرار بالحقيقة نفسها التي انتهى إليها الأعشى، يقول طرفة:

ولا بد من صوب وشيكٍ وآجلٍ ... فحيث يكون المرءُ فالموتُ لاحِقُهْ [2]

فالموت ثاو في داخل كل إنسان، وهو مسكون به، قال أبو قلابة الهذلي:

لا تأمًننّ وإنْ أصبحتَ في حَرَمٍ ... إنّ المنايا بِجنْبَيْ كُلِّ إنسان

ولا تقولنْ لشيءٍ سوف أفعلُه ... حتى تبيَّن ما يمني لكَ المَاني [3]

(1) ديوانه: 41، وينظر: ديوان عروة بن الورد: 107، وديوان الحماسة: ق 312 ب5 - 7/ 259، وقصائد جاهلية نادرة: ب 3/ 109.

(2) ديوانه: 224، وينظر له: ق 58 ب 728/ 237، وديوان عبيد ابن الأبرص: ق 16 ب 5/ 8.

(3) ديوان الهذليين: 3/ 39، وينظر: 1/ 2، وديوان الأعشى: ق 13 ب 12/ 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت