القرآن وهو الحق اختلفت اقوالهم وافكارهم، اما الحق فهو شيء واحد وطريق مستقيم واحد فمن عدل عنه واختلف، اختلفت به الطرق والمذاهب [1] .
ومنه قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ - وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ - وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} (سورة البروج، الآيات 1 - 3) .
البروج هي القصور وواحدها برج، وبروج النجوم منازلها المختصة بها [2] قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} (سورة الفرقان، الآية 61) .
وسميت بروجا؛ لانها للكواكب كالمنازل الرفيعة لمن يسكنها، وهي من عظيم آياته سبحانه؛ ولهذا اقسم بها [3] .
اقسم القرآن اولا بالسماء ثم باليوم الموعود وهو يوم القيامة ثم بالشاهد والمشهود في ذلك اليوم، وقد تضمن هذا القسم ثلاثة عوالم على اختلاف اصنافها فقد اقسم سبحانه اولا بما فيه غيب وشهود وهي السماء ذات البروج، فان كواكبها مشهود نورها، ومرئي ضوؤها، وتعرف حركاتها وطلوعها ومغيبها بالبصر ولكن فيها غيب لا نعرفه بالحس وهو حقيقة الكواكب وما أُودع فيها من القوى، كل ذلك غيب لا ندركه وان وصل العلم إلى معرفة جزء من اسراره، ثم اقسم بما هو غيب تام وهو اليوم الموعود؛ لانه اخبرنا بقيامه وحدوثه وما فيه من أهوال واحداث، ولكن لا شيء من ذلك يمكن ان نشاهده في حياتنا، ثم اقسم بما هو شهادة صرف وهو الشاهد أي صاحب الحس، فانه مرئي والمشهود هو ما وقع عليه الحس، فمن الانتقال البديع بالقسم بهذه العوالم كلها نبه القرآن إلى ما فيها من العظم [4] والفخامة والخلق العجيب الظاهر والخفي،"فالمقسم عليه يراد من القسم توكيده وتحقيقه فلابد ان يكون مما يحس فيه ذلك"
(1) ينظر: التبيان في اقسام القرآن: 288.
(2) المفردات: 54.
(3) ينظر التبيان في اقسام القرآن: 59.
(4) ينظر الطبيعة في القرآن: 501.