المبحث الثالث
الاقتران بين السماء والارض
الاقتران القريب:
وقد وقع في ثمانية عشر موضعا منها قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (سورة الاعراف، الآية 96) .
الاية الكريمة في سياق الاخبار عن حال الامم التي كذبت وعصت الله ورسله، فلو أنهم آمنوا لفتحت عليهم الارزاق من السماء والارض [1] ، وقد جاءت السماء والارض في سياق الاية مقترنتين، وقد دل هذا الاقتران على شمول هذه البركة ودوامها كما بينه حرف الشرط (لو) ، وقد قرأ ابن عامر (لفتّحنا) بالتشديد [2] ، وهو زيادة في الدلالة على كثرة البركة، قال الراغب:"البركة فيض الخير الالهي في الشيء" [3] .
وقد حقق الاقتران في الاية روعة بالغة في الايجاز"إذ عبر السياق القرآني ببركات السماء والارض على انواع من النعم السماوية والارضية متعددة ومتنوعة" [4] ، فضلا عن"ان البركة لا تدل على ثبات الشيء حسب، وانما على الزيادة والنماء" [5] .
فالاية فيها حث على الايمان لنيل بركات السماء والارض، فقد جعل القرآن"انتفاء الملزوم سببا لانتفاء اللازم، لان (كذبوا) ملزوم عدم الايمان والتقوى فأخذهم بذلك ملزوم عدم فتح بركات السماء والارض عليهم" [6] ، وقد جاءت (بركات) في الاية منكرة فدلت على شمولية كل أنواع البركات بكل اشكالها وصورها المادية والمعنوية، وان هذا الرزق يأتي من كل وجه بلا تحديد ولا تقييد، فهو رزق مبارك دائم جزاء الايمان والتقوى. اما الكفر والعصيان فهو سبب عدم نوال بركات السماء والارض، وقد استخدم القرأن العطف بالفاء التي تدل على التعليل في قوله (فأخذهم) ، ليدل على سرعة هذا الاخذ لهؤلاء بسبب تكذيبهم.
(1) ينظر: الجامع لاحكام القرآن: 7/ 161، والكشاف: 2/ 98، ونظم الدرر: 12/ 8، والتحرير والتنوير: 8/ 22.
(2) ينظر النشر في القراءات العشر: 2/ 358.
(3) المفردات: 57.
(4) الطبيعة في القرآن: 451.
(5) الفاظ الرياح والسحاب والمطر: 194.
(6) البرهان في علوم القرآن: 3/ 170.