المبحث الأول
السماء في حالة الانفراد:
وردت السماء منفردة غير مقترنة بالأرض في أربعة وخمسين موضعًا، ومنها قوله تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنْ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا - إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} (الحجر الآيتان:14 - 15) الآيتان تشيران إلى عناد المشركين وتكبرهم عن قبول دعوة الحق والإذعان لها حتى لو رأوا معجزات وخوارق غير التي رأوا ويرونها على الأرض،"فإن هؤلاء المشركين بلغ من غلوهم في العناد أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء ويسر لهم معراج يصعدون فيه إليها ورأوا من العيان ما رأوا لقالوا: هو شيء نتخيله لا حقيقة له" [1] .
وقد جاءت السماء في سياق الآية منفردة غير مقترنة بالأرض فهؤلاء المشركون لا تقنعهم الدلائل والبراهين الشاخصة على الأرض التي تدل على صدق دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى توحيد الله ووحدانيته لذلك احتاجوا إلى أدلة أقوى وحجج أبلغ فذكرهم الله بمعجز خلقه ومنه السماء"والسماء هنا أعم من السموات" [2] ، أي لو فتحت لهم أبواب من أي سماء لم يؤمنوا، وقد جاء السياق القرآني بأداة الشرط (لو) لتحقيق معنى عناد هؤلاء المشركين من خلال جملة الشرط (فتحنا عليهم بابًا من السماء فظلوا فيه يعرجون) وجملة جواب الشرط (لقالوا إنما شكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون) .
وقد استعمل التعبير القرآني الفعل (ظل) الذي يدل على الكون في النهار ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون [3] وقد أتى بأداة الحصر (إنما) ليدل على أنهم يبيتون القول بان ذلك ليس إلا تسكيرًا للأبصار وتعمية لها، وقد أضرب الكفار عن كلامهم قبل (بل) في قوله تعالى على لسانهم (إنما سكرت أبصارنا) إلى ما بعدها تكثيرًا منهم ومبالغة في تكذيب ما رأوه، لأن تسكير عيونهم لا يعني أن ما شاهده غير موجود في الحقيقة لأن العيب فيهم وليس في المرئي [4] ، أي أنهم قد وقع السحر عليهم من محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد بينت هذه الآية أن هؤلاء الكفار غاية في الكفر والعناد حتى لو رأوا ملكوت السموات كله لم يؤمنوا. ومنها أيضًا قوله
(1) الجامع لأحكام القران:10/ 7، وينظر الكشاف:2/ 389، وأنوار التأويل و أسرار التأويل:3/ 167.
(2) التعبير القراني:41.
(3) ينظر تفسير النسفي:2/ 180، والتحرير والتنوير: 14/ 26.
(4) ينظر القوم والديار: 96.