الصفحة 76 من 150

تعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} (سورة المائدة، الآية 112) والآية تشير إلى الحوار الذي وقع بين الحواريون وهم خيرة من آمن بعيسى - عليه السلام - {وبين نبيهم، وقد كان الحواريون"عالمين باستطاعة الله لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر، فأرادوا علم معاينة، لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة لا يدخله شيء من ذلك؛ ولذلك قال الحواريون (وتطمئن قلوبنا) [1] ، وهذا يشبه سؤال النبي إبراهيم} - عليه السلام - {حينما طلب من الله رؤية عملية إحياء الموتى كما قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} (سورة البقرة، الآية 260) فالنبي إبراهيم لم يكن شاكًا في قدرة الله في إحياء الموتى وإنما طلب المعاينة، لما جبلت عليه النفس البشرية من رؤية ما أخبرت عنه، وقد روى عن النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"ليس الخبر كالمعاينة" [2] "

وقد"أطلقت الاستطاعة على الفعل لأنها لازمة له من إطلاق اسم الملزوم على اللازم" [3] وقد جاءت السماء في الآية دون اقتران بالأرض لأن طلب الحواريون أن تكون المائدة منزلة من السماء"لأنهم رغبوا أن تكون خارقة للعادة فلا تكون مما صنع من العالم الأرضي" [4] إذ كلما كانت المعجزة خارقة للعادة كان الإيمان بها أعظم وقد كان"إنزال المائدة امتحانًا ومعجزة" [5] وبيانًا لقدرة الله سبحانه وأنه لا يعجزه شيء، فالاستفهام في الآية استفهام حقيقي، وطلبهم كان لزيادة الإيمان، ولهذا قال لهم عيسى - عليه السلام - (اتقوا الله إن كنتم مؤمنين) وكأنه ظن أن الشك قد أصابهم، قال الزمخشري"وقولهم (هل يستطيع ربك) كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم" [6] والحق أنهم أرادوا رؤية العيان كما ذكرنا.

(1) الجامع لأحكام القران:6/ 236، وينظر الكشاف:1/ 654، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل:3/ 167.

(2) مسند الأمام أحمد:1/ 271، وينظر كنز العمال للهندي:444110.

(3) معترك الأقران في إعجاز القرآن:1/ 189.

(4) التحرير والتنوير:7/ 106.

(5) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز:1/ 51.

(6) الكشاف:1/ 654.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت