الصفحة 82 من 150

المبحث الثاني

الأرض في حالة الانفراد:

وردت الأرض منفردة في مئتين وثمانية مواضع، منها قوله تعالى {وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا} (سورة الاسراء، الآية 27) .

الآية الكريمة في سياق الإخبار عن صفة سلبية وهي التكبر والعجب، أي انك ايها الانسان المتكبر"لن تجعل في الأرض خرقا بدوسك لها وشدة وطأتك، (ولن تبلغ الجبال طولا) بتطاولك واختيالك" [1] والخرق في الآية يعني قطعها وبلوغ اخرها [2] ، وذهب القرطبي إلى"ان الخرق هنا نقبها لا قطعها بالمسافة" [3] وهو الاقرب إلى الصواب؛ لان ثقب الأرض والولوج فيها اكثر استحالة من قطعها بالمسير.

وقد خرج الخبر في الآية إلى معنى التهكم والسخرية، وقد جاءت الأرض منفردة غير مقترنة بذكر السماء، وانما ذكرت الجبال في بيان الطول والارتفاع وهي اعلى ما يمكن ان يتصور فيه ارتفاع، وله نهاية، فذكره ولم يذكر السماء؛ لتقريب الصورة وايضاحها لدى المتلقي، وقد استخدم حرف الجر (في) في قوله (ولا تمش في الأرض مرحا) ، بدلا من حرف الجر (على) كما قال في موضع اخر {وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} (سورة الفرقان، الآية 63) . وقد علل الزركشي ذلك فقال:"لم يقل: (ولا تمشي على الأرض مرحا) ؛ وذلك انه لما وصف العباد بيّن انهم لم يوطنوا انفسهم في الدنيا وانما هم مستوقرون، ولما ارشده ونهاه عن فعل التبختر، قال"ولا تمش فيها مرحا، بل امش عليها هونا" [4] ."

(1) جامع البيان: 15/ 61، وينظر انوار التنزيل واسرار التأويل: 3/ 202، وتفسير النسفي: 2/ 248.

(2) ينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 255، والعمدة في تفسير غريب القرآن: 182.

(3) الجامع لاحكام القرآن: 15/ 61.

(4) البرهان في علوم القرآن: 4/ 201، وينظر نظرية الحروف العاملة: 132.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت