فالمقصود بهذا التهكم هو التشنيع بهذا الفعل والتنفير منه، وقد كررت الأرض في الآية ولم يستغن عن التكرار بالضمير، وهذا هو الاظهار في مقام الاضمار، فعلم ان هذا الكلام مستقل عن غيره، جاري مجرى المثل [1] .
ومنها قوله تعالى {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (سورة الحج، الآية 46) .
الآية الكريمة في سياق الإخبار عن كفار قريش ومن معهم الذين وقفوا ضد دعوة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - والمعنى"الم يسر هؤلاء المكذبون بآيات الله والجاحدون قدرته، وهم بصراء ينظرون بأعينهم ما يمرون عليه من الآيات المرئية من القرى الظالمة المهلكة وغيرها ليروا مصارع الكفار ومن اهلكهم الله بكفرهم، ويشاهدوا اثارهم فيعتبرون" [2] .
ان السياق القرآني في هذه الآية يلفت الانتباه إلى الأرض دون السماء، وذلك لان عقاب الكافرين، وما اصابهم وما الوا اليه هو واقع ماكث في الأرض، وشاخص امامهم، والارض اقرب للانسان من السماء والاستدلال بها هو استدلال بما هو اقرب للحس.
وقد جاء السياق القرآني بالاسلوب الاستفهامي الذي خرج معناه إلى الانكار؛ لانه دخل على (لم) التي تدل على النفي،"وذلك تقرير بأبلغ اسلوب، لان نفي النفي اثبات" [3] . ويبدو من خلال الآية أن هؤلاء الكفار قد ساروا في الأرض ورأوا بقايا مصارع الكافرين من قبلهم ولكنهم لم يعتبروا، وقد عطفت هذه الآية بـ (الفاء) بدل (الواو) ؛ وذلك لان ما قبلها كلام حول الامم المكذبة في قوله تعالى: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} (سورة الحج، الآية 45) ، فكأنه قال"اذا كان ذلك فسيروا في الأرض واعتبروا" [4] .
(1) ينظر التحرير والتنوير: 14/ 104.
(2) جامع البيان: 17/ 139، وينظر الجامع لاحكام القرآن: 13/ 63، وتفسير النسفي: 2/ 446.
(3) ينظر مغني اللبيب: 1/ 17، وصفاء الكلمة: د. عبد الفتاح لاشين: 91.
(4) درة التنزيل وغرة التأويل: 243، وينظر صفاء الكلمة: 108.