الفصل الثاني
إن القرآن الكريم دقيق في ألفاظه وكلماته، فإذا جاء اللفظ مفردًا كان ذلك لمقتضى يطلبه، وإذا كان مجموعًا كان لحال يناسبه، كذلك إذا كان مفردًا أو مقترنًا بغيره فإن الاقتران بين السماء والأرض والسموات والأرض التي شكلتها السياقات والأنساق القرآنية يقف وراء كل اقتران من هذه الاقترانات مطلب إعجازي وهدف مقصود نحاول أن نظهره ونبين سره، فالسماء أو السموات في حالة الانفراد تلقى ظلًا غير الظل الذي تلقيه في حالة التركيب والاقتران، ولهذا ترتبط دلالة كل لفظة من هذه الألفاظ بالسياقات ارتباطًا واضحًا إذ إنها تترشح منه بدلالات أخرى جديدة، فضلًا عن دلالة اللفظ صراحة فالسماء جاءت مفردة تارة ومجموعة تارة أخرى، والأرض لم تأتِ إلا مفردة، وقد تأتي السماء مع الأرض في سياق أو لا تأتي، والسموات كذلك؛ وذلك لاختصاص كل موضع بما يقتضيه لأن السياق في سور القرآن ونظام الآيات والفواصل ووحدة المعاني يتطلب التغاير والاختلاف، فلا يصلح تعبير مكان تعبير، فيلزم الإفراد في مكانه ولا يصلح غيره، أو يلزم الاقتران في مكانه ولا يصلح غيره.
وتجدر الإشارة إلى أن الاقتران هنا لا يعني أن تاتي المفردة بعد المفردة المقترنة معها تمامًا، وإنما قد يقع الاقتران بعد كلمة أخرى أو مجموعة كلمات وهذا ما أطلقنا عليه (الاقتران البعيد) ، فهناك شكلان من الاقتران هما (الاقتران القريب) وهو الذي يتحقق عندما تأتي المفردة مقترنة بالأخرى بلا فاصل غير العطف أو أي أداة أخرى مثل (السماء والأرض) و (الاقتران البعيد) وهو الذي يفصل بين المفردتين المقترنتين كلمة أو أكثر، ولكن يبقى سياق المعنى والحال يشيران الى حالة الاقتران كما في قوله تعالى: {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ} (سورة فاطر، آية 40) ، وبعد استقراء الآيات ظهر لدينا أربع حالات من الاقتران هي:-
الأولى: اقتران السماء والارض.
الثانية: اقتران السموات والارض.
الثالثة: اقتران الأرض والسماء (بتقديم الأرض) .
الرابعة: اقتران الأرض و السموات (بتقديم الأرض)
وقد وضعنا جداول لجميع ما ورد من هذه الحالات الأربع، وقد انتخبنا آيات لتحليلها لاعتقادنا أنها تعبر عن هذه الحالات تعبيرًا واضحًا.