الصفحة 64 من 150

6.الأرض بمعنى الدنيا:

ومنه قوله تعالى {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ - وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} (سورة الاعراف، الآيتان 175 - 176) الآيتان في سياق جملة خبرية وهما تشيران كما روى ابن عباس إلى رجل من مدينة الجبارين يقال له (بلعم) ، تعلم اسم الله الأعظم، فلما جاء موسى - عليه السلام - لقتالهم طلب أبناء عمه منه أن يدعو على موسى وأصحابه فقال لهم: إن دعوت ذهبت دنياي وآخرتي فلم يزالوا به حتى دعا على موسى، فانسلخ ما كان عليه من ايمان [1] .

فقوله تعالى {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} يعني الدنيا، فالاخلاد الى الارض الاطمئنان الى الدنيا والركون اليها ولزومها"يقال: فلان مخلد، أي بطيء الشيب كأنه تقاعس ان يشيب، وتقاعس شعره عن البياض في الوقت الذي شاب فيه نظراؤه" [2] . فهذا العالم لم يفده علمه لانه"آثر الدنيا وعاجلها على الله والدار الآخرة مع وفرة علمه" [3] .

وقوله تعالى {ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا} بيان للأنعام الذي خصه الله سبحانه به، وقد اسند فعل الاتيان الى نفسه زيادة في البركة والتشريف [4] ، وهذه الآيات شأنها ان تكون سببا للهداية والتزكية {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} ، أي لو شاء الله له التوفيق وعصمه من كيد الشيطان وفتنه لم ينسلخ عنها، وقد استخدم التعبير القرآني حرف الجر (الى) في قوله {أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} لتفيد بقاء عمل هذا الكافر وحاله في الدنيا، وليس له في الآخرة من نصيب.

وفي الآية الكريمة عبرة للمؤمنين ليعلموا فضل الله عليهم في توفيقهم، فلو شاء الله ان يرفع هذا الكافر لجعله يزيد في العمل بما آتاه الله من الآيات [5] .

(1) ينظر جامع البيان: 9/ 87، والجامع لاحكام القرآن: 7/ 204.

(2) غريب القرآن للسجستاني: 13، وينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 174.

(3) ابن القيم وحسه البلاغي في تفسير القرآن، د. عبد الفتاح لاشين: 175.

(4) نفسه: 176.

(5) ينظر التحرير والتنوير: 9/ 176، والجدول الملحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت