فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 421

السَّبَبُ الْخَامِسُ

أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ قَدْ بَلَغَهُ وَثَبَتَ عِنْدَهُ لَكِنْ نَسِيَهُ

وَهَذَا يَرِدُ فِي الْكِتَابِ والسُّنَّة مِثْلَ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَن سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَن أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ فَقَالَ إِنِّى أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً. فَقَالَ لاَ تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِى سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدْ مَاءً فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِى التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ. فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الأَرْضَ ثُمَّ تَنْفُخَ ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ » . فَقَالَ عُمَرُ اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ . قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ شِئْتَ لَمْ أَذْكُرْهُ مَا عِشْتُ أَوْ مَا حَيِيتُ. قَالَ كَلاَّ وَاللَّهِ وَلكِنْ نُوَلِّيكَ مِن ذَلِكَ مَا تَوَلَّيْتَ [1] .

فَهَذِهِ سُنَّةٌ شَهِدَهَا عُمَرُ ثُمَّ نَسِيَهَا حَتَّى أَفْتَى بِخِلَافِهَا وَذَكَّرَهُ عَمَّارُ فَلَمْ يَذْكُرْ وَهُوَ لَمْ يُكَذِّبْ عَمَّارًا بَل أَمَرَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ.

قال الإمام النووي [2] :"مَعْنَاهُ قَالَ عُمَر لِعَمَّارٍ: اِتَّقِ اللَّه تَعَالَى فِيمَا تَرْوِيه وَتُثْبِت . فَلَعَلَّك نَسِيت ، أَوْ اِشْتَبَهَ عَلَيْك الْأَمْر . وَأَمَّا قَوْل عَمَّار إِنْ شِئْت لَمْ أُحَدِّث بِهِ فَمَعْنَاهُ ، وَاَللَّه أَعْلَم ؛ إِنْ رَأَيْت الْمَصْلَحَة فِي إِمْسَاكِي عَن التَّحْدِيث بِهِ رَاجِحَة عَلَى مَصْلَحَة تَحْدِيثِي بِهِ أَمْسَكْت ، فَإِنَّ طَاعَتك وَاجِبَة عَلَيَّ فِي غَيْر الْمَعْصِيَة ، وَأَصْل تَبْلِيغ هَذِهِ السُّنَّة وَأَدَاء الْعِلْم قَدْ حَصَلَ ، فَإِذَا أَمْسَكَ بَعْد هَذَا لَا يَكُون دَاخِلًا فِيمَن كَتَمَ الْعِلْم . وَيَحْتَمِل أَنَّهُ أَرَادَ إِنْ شِئْت لَمْ أُحَدِّث بِهِ تَحْدِيثًا شَائِعًا بِحَيْثُ يَشْتَهِر فِي النَّاس ، بَل لَا أُحَدِّث بِهِ إِلَّا نَادِرًا . وَاَللَّه أَعْلَم ."ا.هـ

أما القول إن عمر خالف بهذا المذهب ظاهر القرآن ، فالجواب أنه كان متأولًا في ذلك ،إذ كان يعتقد أن الجنب لا يدخلُ في المعنى المراد بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ

(1) - صحيح مسلم برقم (846 ) وأحمد برقم ( 19395) ومصنف عبد الرزاق - (ج 1 / ص 163) برقم (915) = تمعكت: تقلبت في التراب

(2) - شرحه على مسلم - (ج 2 / ص 85)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت