فهرس الكتاب
السَّبَبُ السَّابِعُ
اعْتِقَادُهُ أَنْ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَعْرِفْ جِهَةَ الدَّلَالَةِ، وَالثَّانِي عَرَفَ جِهَةَ الدَّلَالَةِ لَكِن اعْتَقَدَ أَنَّهَا لَيْسَتْ دَلَالَةً صَحِيحَةً بِأَنْ يَكُونَ لَهُ مِن الْأُصُولِ مَا يَرُدُّ تِلْكَ الدَّلَالَةَ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ صَوَابًا أَوْ خَطَأً .
أي أنه لا يرى أن دلالة الحديث دلالة صحيحة، وأحيانًا قد يتنازع الفقهاء في حديث، كحديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا ، قَالَ: بِتُّ عِنْدَ مَيْمُونَةَ ، فَقَامَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَتَى حَاجَتَهُ ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ، ثُمَّ نَامَ ، ثُمَّ قَامَ ، فَأَتَى القِرْبَةَ فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ وُضُوءَيْنِ لَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ ، فَصَلَّى ، فَقُمْتُ فَتَمَطَّيْتُ ، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ أَتَّقِيهِ ، فَتَوَضَّأْتُ ، فَقَامَ يُصَلِّي ، فَقُمْتُ عَن يَسَارِهِ ، فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَن يَمِينِهِ ، فَتَتَامَّتْ صَلاَتُهُ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ ، فَآذَنَهُ بِلاَلٌ بِالصَّلاَةِ ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ، وَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ:"اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا ، وَفِي بَصَرِي نُورًا ، وَفِي سَمْعِي نُورًا ، وَعَن يَمِينِي نُورًا ، وَعَن يَسَارِي نُورًا ، وَفَوْقِي نُورًا ، وَتَحْتِي نُورًا ، وَأَمَامِي نُورًا ، وَخَلْفِي نُورًا ، وَاجْعَلْ لِي نُورًا" [1]
فهل هذا يدلُّ على أن المصافة إذا كان المأموم فردًا لازمة عن يمين الإمام، أم أنه يدلُّ على أنها سنَّة؟ .
هنا الدلالة متنازع فيها بين الفقهاء، فالحنابلة يرون أنها لازمة، قالوا: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أداره، فأحدث ذلك حركة في الصلاة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وحركةً لابن عباس، ونحو ذلك مما يدلُّ على اللزوم، ولو كان هذا من باب المستحب لتركه حتى ينصرف من صلاته ثم يبين له ذلك الأمر، والجمهور يرون أن الحديث لا يدلُّ على اللزوم، قالوا: لأنه لو كان يدل على اللزوم والصحة لما صحَّ تكبير ابن عباس للإحرام؛ لأن ابن عباس كبَّر تكبيرة الإحرام
(1) - البخاري برقم (6316) و صحيح مسلم (1824 )