فهرس الكتاب
وقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ [1] : وَلَا شَكَّ أَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَأَمَّا سَائِرُ الِاسْتِعْمَالَاتِ فَلَا، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ ، فَإِنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ عَن الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ هِيَ التَّشَبُّهُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ حَيْثُ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَّةٍ مِن فِضَّةٍ ، وَذَلِكَ مَنَاطٌ مُعْتَبَرٌ لِلشَّارِعِ كَمَا ثَبَتَ عَنهُ لَمَّا رَأَى رَجُلًا مُتَخَتِّمًا بِخَاتَمٍ مِن ذَهَبٍ فَقَالَ مَالِي أَرَى عَلَيْك حِلْيَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ . أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ مِن حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ وَإِلَّا لَزِمَ تَحْرِيمُ التَّحَلِّي بِالْحُلِيِّ وَالِافْتِرَاشِ لِلْحَرِيرِ لِأَنَّ ذَلِكَ اِسْتِعْمَالٌ وَقَدْ جَوَّزَهُ الْبَعْضُ مِن الْقَائِلِينَ بِتَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ فَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ إِلَّا بِدَلِيلٍ يُسَلِّمُهُ الْخَصْمُ ، وَلَا دَلِيلَ فِي الْمَقَامِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، فَالْوُقُوفُ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ الْمُعْتَضِدِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ هُوَ وَظِيفَةُ الْمُنْصِفِ الَّذِي لَمْ يُخْبَطْ بِسَوْطِ هَيْبَةِ الْجُمْهُورِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَيَّدَ هَذَا الْأَصْلَ حَدِيثُ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « مَن أَحَبَّ أَنْ يُحَلَّقَ حَبِيبُهُ حَلْقَةً مِن نَارٍ فَلْيُحَلِّقْهُ حَلْقَةً مِن ذَهَبٍ ، وَمَن أَحَبَّ أَنْ يُطَوَّقَ حَبِيبَهُ طَوْقًا مِن نَارٍ فَلْيُطَوِّقْهُ طَوْقًا مِن ذَهَبٍ ، وَمَن أَحَبَّ أَنْ يُسَوَّرَ حَبِيبُهُ سِوَارًا مِن نَارٍ فَلْيُسَوِّرْهُ سِوَارًا مِن ذَهَبٍ ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْفِضَّةِ فَالْعَبُوا بِهَا لَعِبًا» ."أَخْرَجَهُ ( البيهقي) [2] ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا روي عَن عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ أَرْسَلَنِى أَهْلِى إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِقَدَحٍ مِن مَاءٍ - وَقَبَضَ إِسْرَائِيلُ ثَلاَثَ أَصَابِعَ - مِن فِضَّةٍ فِيهِ شَعَرٌ مِن شَعَرِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الإِنْسَانَ عَيْنٌ أَوْ شَىْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ ، فَاطَّلَعْتُ فِى الْجُلْجُلِ فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حُمْرًا [3] . اِنْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ بتصرف [4] "
فنلاحظ أن المسالة وقع فيها خلاف بين العلماء .
(1) - تحفة الأحوذي - (ج 5 / ص 95) ونيل الأوطار - (ج 1 / ص 170)
(2) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 4 / ص 140) (7803) حيث حسن
(3) - صحيح البخارى (5896 ) -الجحل: السقاء الضخم -الجلجل: الجرس الصغير وقد يتخذ إناء
(4) - انظر فتح الباري لابن حجر - (ج 16 / ص 488)