فهرس الكتاب
المبحث الثالث
هل الحنفية بضاعتهم في الحديث مزجاة ؟
ما اشتهر من أن أهل الرأي بضاعتهم في الحديث مزجاة كلام غير صحيح ، ولا يدعمه الدليل ، وهو من باب الخلاف المذهبي .
فالراجح عند الحنفية تقديم الحديث الضعيف على القياس ، فكيف تكون بضاعتهم مزجاة ؟
قال الإمام ابن حزم:"جميعُ الحنفية مجمعون على أنَّ مذهبَ أبي حنيفةَ (رحمه اللهُ) أنَّ ضعيفَ الحديثِ أولى منَ القياسِ ولا يحلُّ القياسُ مع وجودهِ" [1] .
وقال علي القاري في المرقاة:"إن مذهبهُم القويَّ تقديمُ الحديثِ الضعيفِ على القياسِ المجرَّدِ الذي يحتملُ التزييفَ" [2] .
أقول: فاتهامهم بأنهم أصحابُ رأي،وأنَّ بضاعتهم في الحديث مزجاةٌ , فيه شططٌ كبيرٌ،وعصبيةٌ مقيتة .
روى الخطيب عن عَبْدَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ , يقول:"لِيَكُنِ الَّذِي تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْأَثَرُ , وَخُذْ مِنَ الرَّأْيِ مَا يُفَسِّرُ لَكَ الْحَدِيثَ" [3]
مثال ذلك: كان الإمام أبو بكر بن أبي شيبة من المخالفين لأهل الرأي ، شديد التمسك بالأثر ، ومن ثم فقد أحصى المسائل التي خالف فيها أبو حنيفة ، رحمه الله السنَّة فبلغت- على حدِّ زعمه- مئة وأربعًا وعشرين مسألة لا غير ، وذكر ذلك في آخر مصنفه .
ومعنى هذا أن الإمام أبا حنيفة - أستاذ مدرسة الرأي - قد وافق السنَّة فيما سوى هذه المسائل القليلة وهي بعشرات الآلاف .
(1) - ملخص إبطال القياس ص 98 والإحكام 7/54
(2) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (ج 1 / ص 3)
(3) - الفقيه والمتفقه للخطيب (1068 )