فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 421

قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ:كَانَ يُتَّهَمُ بِالاِعْتِزَالِ، وَكَانَ رُبَّمَا يَخْتَارُ فِي الفَتْوَى، فيُقَال لَهُ فِي ذَلِكَ، فَيَقُوْلُ:وَيْحَكمْ! حَدَّثَ فُلاَنٌ عَن فُلاَنٍ، عَن رَسُوْلِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَذَا وَكَذَا، وَالأَخْذُ بِالحَدِيْثِ أَوْلَى مِنَ الأَخْذِ بِقَولِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيْفَةَ.

قُلْتُ:هَذَا جَيِّدٌ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَالَ بِذَلِكَ الحَدِيْثِ إِمَامٌ مِن نُظَرَاءِ الإِمَامَيْنِ مِثْلُ مَالِكٍ، أَوْ سُفْيَانَ، أَوِ الأَوْزَاعِيِّ، وَبأَنْ يَكُونَ الحَدِيْثُ ثَابِتًا سَالِمًا مِن عِلَّةٍ، وَبأَنْ لاَ يَكُونَ حُجَّةُ أَبِي حَنِيْفَةَ وَالشَّافِعِيِّ حَدِيْثًا صحيحًا معَارضًا للآخَرِ.

أَمَّا مَن أَخَذَ بِحَدِيْثٍ صَحِيْحٍ وَقَدْ تنكَّبَهُ سَائِرُ أَئِمَّةِ الاِجتهَادِ، فَلاَ، كَخَبَرِ: (فَإِنْ شَرِبَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ) ، وَكَحَدِيْثِ (لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ البَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ) ." [1] ."

قلت: وإذا لم يكن أهلا لمعرفة الصحيح من الضعيف (وهو العاميِّ المحضُ) ، فلا يترك مذهبه الذي ينتسب إليه ، ولا يعمل بهذا الحديث ، وهو في هذه الحال معذور ، وليس مخالفًا لسنَّة الرسول - صلى الله عليه وسلم - .

وذلك لأنه مقلِّد ، فمن غير المعقول أن يترك قول إمام مذهبه لهذا الذي صحح الحديث اليوم ، وما يدريه أنه لا تنطبق عليه الشروط السابقة ، فقد يكون الذي صححه غير مسلَّم له به ، فكيف يوجب عليه تقليده ،وهو كذلك غير معصوم ، والكلُّ تقليد ، وهذا ربما لم يسلِّم له أقرب الناس إليه بذلك ، والإمام المتبوع سلمت له الأمة ،ومن ثمَّ لا يجوز اتهامه بأنه مخالف للسنَّة النبوية ، كما يدعي ذلك بعض المنسوبين للعلم !!!

كما أنه لا يقال بحق هذا المقلِّد - والذي لا يستطيع التمييز بين الغث والسمين- ما كان يقوله بعض السلف الصالح: أنا أقول له قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو يقول لي قال أبو حنيفة أو الشافعي ، فهذا الكلام اليوم قائم على مغالطة مفضوحة ، فهل أبو حنيفة أو الشافعي يتبعون غير الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؟ أو غير سنته ؟!!

(1) - سير أعلام النبلاء (16/405) (293 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت