وَذَلِكَ أَنَّ غَايَةَ كَثِيرٍ مِن الْعُلَمَاءِ أَنْ يَعْلَمَ قَوْلَ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ فِي بِلَادِهِ وَأَقْوَالَ جَمَاعَاتٍ غَيْرِهِمْ، كَمَا تَجِدُ كَثِيرًا مِن الْمُتَقَدِّمِينَ لَا يَعْلَمُ إلَّا قَوْلَ الْمَدَنِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ ،وَكَثِيرٌ مِن الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يَعْلَمُ إلَّا قَوْلَ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِن الْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ وَمَا خَرَجَ عَن ذَلِكَ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِهِ قَائِلًا ،وَمَا زَالَ يَقْرَعُ سَمْعَهُ خِلَافُهُ، فَهَذَا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَصِيرَ إلَى حَدِيثٍ يُخَالِفُ هَذَا ؛ لِخَوْفِهِ أَنْ يَكُونَ هَذَا خِلَافًا لِلْإِجْمَاعِ أَوْ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ وَالْإِجْمَاعُ أَعْظَمُ الْحُجَجِ .
وَهَذَا عُذْرُ كَثِيرٍ مِن النَّاسِ فِي كَثِيرٍ مِمَّا يَتْرُكُونَهُ، وَبَعْضُهُمْ مَعْذُورٌ فِيهِ حَقِيقَةً ؛ وَبَعْضُهُمْ مَعْذُورٌ فِيهِ ،وَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ بِمَعْذُورِ، وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِن الْأَسْبَابِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ ، لأنه متى ثبت النصُّ ، ولم نجد له معارضًا وجب العملُ به ،هذا إذا علمنا أنَّ أحدا من العلماء السابقين قد عمل به ، لأنَّ عدم العلم به يدلُّ إما على نسخه أو يوجد ما يعارضه .