فهرس الكتاب
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ هَؤُلَاءِ: فَلَمَّا ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّوَارُثَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ لَمْ تَزَلْ مُنْقَطِعَةً عَلِمْنَا أَنَّ الْآيَاتِ الْمُنْزَلَاتِ فِي الْمَوَارِيثِ وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهَا عَامًّا فِي التِّلَاوَةِ ، إِنَّمَا هِيَ خَاصٌّ فِي الْمَعْنَى ، الْمُرَادُ بِهَا الْأَحْرَارُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ قَاتِلُ عَمْدٍ لِلْمَيِّتِ وَلَيْسَ فِيهَا مَنسُوخٌ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَاحْتَجَّ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَنْسَخْ شَيْئًا مِن أَحْكَامِ كِتَابِهِ بِسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنْ قَالُوا: جَعَلَ اللَّهُ كِتَابَهُ الْمُهَيْمِنَ الْمُصَدَّقَ الشَّاهِدَ عَلَى مَا مَضَى مِن كُتُبِهِ وَالنَّاسِخَ لِبَعْضِ أَحْكَامِهَا ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ خَاتَمَ الْكُتُبِ فَأَمَرَ أَنْ يُعْتَصَمَ بِحَبْلِهِ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ قَدْ نَسَخَ بَعْضَهُ وَبَدَّلَ حُكْمَهُ ؟ قَالُوا: وَأَخْبَرَنَا رَبُّنَا أَنَّهُ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَنُورٌ ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنهُ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُ مُبَدَّلًا بِالسُّنَّةِ ، لَكَانَ بَعْضُهُ عَمَاءً لِمَن اتَّبَعَهُ ، وَكَانَ عَلَى الْخَلْقِ إِذَا أَقَرُّوا أَحْكَامَهُ أَنْ لَا يَحْكُمُوا بِهَا حَتَّى يَطْلُبُوا الْعِلْمَ فِي السُّنَّةِ ، هَلْ بَدَّلَتْ بَعْضَ أَحْكَامِهِ أَمْ لَمْ تُبَدِّلْهُ فَلَا يَكُونُ حِينَئِذٍ شِفَاءً لِلْقُلُوبِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَلَوْ كَانَتِ السُّنَّةُ قَدْ نَسَخَتْ بَعْضَ أَحْكَامِهِ لَكَانَ بَعْضُ تَحْرِيمِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ حَلَالًا ، وَبَعْضُ تَحْلِيلِهِ فِي كِتَابِهِ حَرَامًا وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ حُجَّةٌ بِالْقُرْآنِ حَتَّى يَعْلَمَ جَمِيعَ السُّنَّةِ ، وَحَتَّى يَعْلَمَ مَا بُدِّلَ مِنهُ بِالسُّنَّةِ ، قَالُوا: فَمَا أَحَلَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِسُنَّتِهِ ، وَلَا حَرَّمَ إِلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ إِمَّا نَصًّا ، وَإِمَّا بِمَا أَوْجَبَهُ مِن طَاعَتِهِ ، وَكَانَ إِجْمَاعُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَالتَّابِعِينَ عَلَى أَنَّ أُصُولَ الْعِلْمِ وَالْأَحْكَامِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَمِنهُ بَيِّنٌ مَفْهُومٌ فِي تِلَاوَتِهِ ، وَمِنهُ مُسْتَنْبَطٌ بِالْبَحْثِ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ عَنِ اللَّهِ ، وَلَوْ كَانَتِ السُّنَّةُ نَاسِخَةً لِبَعْضِ أَحْكَامِهِ لَمَا حَلَّ لِأَحَدٍ أَنْ يُشَبِّهَ حَادِثَةً بِأَصْلٍ مِن أُصُولِهِ حَتَّى يَعْلَمَ ذَلِكَ الْأَصْلَ نُسِخَ بِغَيْرِهِ ، أَمْ لَا ، فَمَا زَالُوا يُعَظِّمُونَ شَأْنَهُ وَيَأْمُرُونَ بَاتِّبَاعِهِ وَلَا يَأْمُرُونَ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنهُ لِغَيْرِهِ ، وَلَقَدْ رَأَى كَثِيرٌ مِنهُمْ أَنَّ مِصْدَاقَ كَثِيرٍ مِمَّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي كِتَابِ اللَّهِ يُؤَكِّدُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مُصَدِّقٌ لِلسُّنَّةِ ، وَأَنَّهَا لَا تُبَدِّلُ مَا فِيهِ ، وَلَوْ كَانَتْ تُبَدِّلُ مَا فِيهِ لَمْ يَكُنْ طَلَبُ مِصْدَاقِهَا فِيهِ أَوْلَى مِن أَنْ يُطْلَبَ مِصْدَاقُهُ فِيهَا ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَنَا رَبُّنَا أَنَّهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ جُمَلَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ ، وَلَمْ يَبْعَثْهُ لِيُبْطِلَ بَعْضَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ ، وَيُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَهُ أَنْ يُبَدِّلَهُ وَيُحَوِّلَهُ بِقَوْلِهِ ، فَاللَّهُ يَنْسَخُ قَوْلًا مِنهُ بِقَوْلِهِ وَلَا