فهرس الكتاب
اخْتَلَفُوا فِي الشَّيْءِ فَأَخَذَ بِقَوْلِ أَكْثَرِهِمْ وَأَفْضَلِهِمْ رَأْيًا . فَكَانَ مِمَّا وَعَيْتُ عَنْهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ:"أَنَّ الْوِتْرَ ثَلَاثٌ لَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ" [1]
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: فَإِنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ ، لَكِنْ لاَ تَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ شَفْعٍ يَسْبِقُهَا . وَاخْتُلِفَ: هَل تَقْدِيمُ الشَّفْعِ شَرْطُ صِحَّةٍ أَوْ كَمَالٍ ؟ قَالُوا: وَقَدْ تُسَمَّى الرَّكَعَاتُ الثَّلاَثُ وِتْرًا إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ ، وَالْوِتْرُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الرَّكْعَةُ الْوَاحِدَةُ . وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَاحِدَةً فَقَطْ ، بَل بَعْدَ نَافِلَةٍ ، وَأَقَل تِلْكَ النَّافِلَةِ رَكْعَتَانِ ، وَلاَ حَدَّ لأَِكْثَرِهَا . قَالُوا: وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ حَدِيثُ: صَلاَةُ اللَّيْل مَثْنَى مَثْنَى ، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَرَاهَةِ الإِْيتَارِ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ ، كَالْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ ، فَقَدْ قِيل: لاَ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ ، وَقِيل: يُكْرَهُ لَهُ أَيْضًا . فَإِنْ أَوْتَرَ دُونَ عُذْرٍ بِوَاحِدَةٍ دُونَ شَفْعٍ قَبْلَهَا ، قَال أَشْهَبُ: يُعِيدُ وِتْرَهُ بِأَثَرِ شَفْعٍ مَا لَمْ يُصَل الصُّبْحَ . وَقَال سَحْنُونٌ: إِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ أَيْ بِالْقُرْبِ ، شَفَعَهَا بِرَكْعَةٍ ثُمَّ أَوْتَرَ ، وَإِنْ تَبَاعَدَ أَجْزَأَهُ [2] .
وَقَالُوا: لاَ يُشْتَرَطُ فِي الشَّفْعِ الَّذِي قَبْل رَكْعَةِ الْوِتْرِ نِيَّةٌ تَخُصُّهُ ، بَل يَكْتَفِي بِأَيِّ رَكْعَتَيْنِ كَانَتَا [3] .
وَإِنْ أَوْتَرَ بِثَلاَثٍ ، فَلَهُ ثَلاَثُ صُوَرٍ:
الصُّورَةُ الأُْولَى: أَنْ يَفْصِل الشَّفْعَ بِالسَّلاَمِ ، ثُمَّ يُصَلِّيَ الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ بِتَكْبِيرَةِ إِحْرَامٍ مُسْتَقِلَّةٍ . وَهَذِهِ الصُّورَةُ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَهِيَ الْمُعَيَّنَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ، فَيُكْرَهُ مَا عَدَاهَا ، إِلاَّ عِنْدَ الاِقْتِدَاءِ بِمَنْ يُصَل ،وَأَجَازَهَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ ، وَقَالُوا: إِنَّ الْفَصْل أَفْضَل مِنَ الْوَصْل ، لِزِيَادَتِهِ عَلَيْهِ السَّلاَم وَغَيْرُهُ . وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ كَانَ إِمَامًا فَالْوَصْل أَفْضَل ، لأَِنَّهُ يَقْتَدِي بِهِ الْمُخَالِفُ ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَالْفَصْل أَفْضَل . قَالُوا: وَدَلِيل هَذِهِ الصُّورَةِ مَا
(1) - شَرْحُ مَعَانِي الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ (1111 ) صحيح و الهداية وفتح القدير والعناية 1 / 303 ، 304 .
(2) - المنتقى للباجي ( 1 / 223 القاهرة ، مطبعة السعادة ، 1331 هـ وكفاية الطالب الرباني مع حاشية العدوي 1 / 257 ، 258 ، بيروت دار المعرفة عن طبعة القاهرة ، والقوانين الفقهية( ص 61 ) .
(3) - كفاية الطالب وحاشية العدوي 1 / 257 .