صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان. [1] لكن مع ذلك لابد أن نعلم أن الشريعة التي حرمت قتل النساء والصبيان أباحت قتلهم إذا لم يمكن قتل غيرهم ممن يجوز قتله إلا بقتلهم، فيجوز قتلهم تبعًا لا على وجه الاستقلال، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا.
ودليل ذلك مافي الصحيحين عن الصعب بن جثامة قال قلت يا رسول الله إنا نصيب فِي البيات من ذراري المشركين قال: (هم منهم) . [2]
ويدل على ذلك أيضا أن رسول الله- صلى عليه وسلم- نصب المنجنيق على أهل الطائف. ولا يخفى أن المنجنيق لا يفرق بين الرجال المقاتلين والنساء والأطفال، وإنما يقع فيصاب من يصاب وينجو من ينجو.
قال الشافعي - رحمه الله-: لم يزل المسلمون والسلف الصالح من أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم في حصون الأعاجم قبلنا على ذلك لم يبلغنا عن أحد منهم أنه كف عن حصن برمي ولا غيره من القوة لمكان النساء والصبيان ولمكان من لا يحل قتله لمن ظهر منهم. [3]
قال السرخسي: لا يحل قتل النساء والولدان ثم لا يمتنع تحريق حصونهم بكون النساء والولدان فيها. [4]
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وإن كان قتل من لم يقاتل من النساء والصبيان وغيرهم حرامًا فمتى احتيج إلى قتال قد يعمهم مثل الرمي بالمنجنيق والتبييت بالليل جاز ذلك كما جاءت فيها السنة في حصار الطائف ورميهم بالمنجنيق وفى أهل الدار من المشركين يبيتون وهو دفع لفساد الفتنة أيضًا بقتل من لا يجوز قصد قتله. [5]
قال النووي رحمه الله على الحديث المتقدم: وهذا الحديث الذي ذكرناه من جواز بياتهم وقتل النساء والصبيان في البيات، هو مذهبنا. [6]
وقال في عون المعبود: قال القسطلانِي: ليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم بل إذا لم يوصل إلى قتل الرجال إلا بذلك قتلوا وإلا فلا تقصد الأَطفال والنساء بالقتل مع القدرة على ترك ذلك جمعًا بين الأَحاديث. [7]
و لك أن تتأمل؛ أيّ فرق بين من يرمي بالمنجنيق على بيوت تعلم علم اليقين أن فيها نساء وأطفالًا؛ وبين من يضعْ عبوة متفجرة لجماعةٍ من الرجال معهم نساء و أطفال؟ في كلا الحالتين الرامي والمفجر يريد قتل الرجال و لا يريد قتل النساء و الأطفال؛ لكنه قصد إلى قتلهم بما يعم إتلافه ولا يمكن فيه التفريق بين الرجال وغيرهم، والنتيجة قتل وجراح في الرجال والنساء و الأطفال. وقد يقول قائل إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- رماهم بالمنجنيق في حال قتال وحرب، وقد أخذوا لذلك أهبته فتحصنوا في حصونهم، ولم يقتلهم وهم في رحلة سياحية، قد أمنوا من الخطر.
والجواب على ذلك أن هذه الأحاديث دلت على جواز قتل من لا يجوز قتله إذا لم يمكن التفريق بينه وبين من يجوز قتله، ولا يشترط أن يكون ذلك في حال استعدادهم للحرب وتحصنهم في حصونهم، ألا ترى أنه في أحاديث جواز بيات المشركين قد يغار عليهم وهم غارون فيحصل القتل في نسائهم وأطفالهم، ثم إن هؤلاء المشركين قدموا ديار الإسلام بعدما أنذرهم المجاهدون وأعلموهم أنهم هدف لهم، ومن أنذر فقد أعذر.
وينبغي العلم أن من أهل العلم من قال بعدم جواز قتل النساء والصبيان، ولو تترس بهم من يجوز قتله وأدى ذلك إلى ترك قتلهم، وهذا القول ينسب إلى مالك و الأوزاعي عليهما رحمة الله [8] ولكن القول الأول نسبه النووي إلى الجمهور [9] ولا يخفى أنه أقرب إلى الجمع بين الأحاديث، والله أعلم بالصواب.
رابعا: ما هي الفوائد التي جنيناها من هاتين العمليتين؟
إن المتأمل للأحداث يجد - بحمد الله- لهاتين العمليتين فوائد طيبة، ومنافع قد حصلت، وإن لم تكن ظاهرة لكل أحد، ومن تلك الفوائد على سبيل المثال:
(1) رواه البخاري/3015 ورواه مسلم/4646
(2) مسلم/4648
(3) الأم7/ 369
(4) المبسوط12/ 45
(5) الفتاوى20/ 52
(6) شرح مسلم6/ 189
(7) عون المعبود6/ 108
(8) نيل الأوطار8/ 8
(9) شرح مسلم6/ 189