قال: وذكر محمد بن نصر المروزي، عن إسحاق بن راهويه، أنه ذكر هذا الذي قلناه بعينه، قال: وعلى هذا أجمع أهل العلم. قال ابن حزم: وهو قول جميع أهل الإسلام غيره.
فكيف يكون قول جميع أهل الإسلام، وكلامه يقتضي أن الأرواح رآها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء تحت السماء الدنيا، والحديث يدلّ على أنه إنما رآها فوق السماء الدنيا.
وما حكاه عن محمد بن نصر، عن إسحاق بن راهويه، فلا يدلّ على ما قاله بوجه، فإن محمد بن نصر، حكى عن إسحاق بن راهويه، إجماع أهل العلم أن اللّه استخرج ذرية آدم من صلبه قبل خلق أجسادهم فاستنطقهم واستشهدهم على أنفسهم: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا [الأعراف: 172] ، ولم يذكر أكثر من هذا، وهذا لا يدل على شي ء مما قاله ابن حزم في مستقر الأرواح البتة. بل ولا على أن الأرواح بقيت على حالها، بل في بعض الأحاديث أنه ردّها إلى صلب آدم. ولم يقل إسحاق ولا غيره من المسلمين: إن مستقر الأرواح حيث منقطع العناصر، بل وليس هذا من جنس كلام المسلمين، بل من جنس كلام المتفلسفة.
وقد خرّج ابن جرير الطبري في كتاب (الأدب) له، من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب، عن المغيرة بن عبد الرحمن، قال: قال سلمان لعبد اللّه بن سلّام:
إن مت قبلي فأخبرني عمن تلقى، وإن مت قبلك أخبرتك بما ألقى، فقال له الناس:
يا عبد اللّه كيف تخبرنا وقد مت؟ قال: ما من روح تقبض من جسد إلا كانت بين السماء والأرض حتى يرده في جسده الذي أخذ منه.
هذا لا يثبت وهو منقطع، وأبو معشر: ضعيف، وقد سبق رواية سعيد بن المسيب لهذه القصة بغير هذا اللفظ، وهو الصحيح.
وقد تقدم في سؤال عبد اللّه ابن الإمام أحمد لأبيه عن الأرواح هل تموت بموت الأجساد؟ وهذا يدل على أن هذا قد قيل أيضا وهو كذلك.
وقد حكي عن طائفة من المتكلمين، وذهب إليه جماعة من فقهاء الأندلس قديما، منهم عبد الأعلى بن وهب بن محمد بن عمرو بن لبابة، ومن متأخريهم كالسهيلي وأبي بكر بن العربي وغيرهما، قال أبو الوليد بن الفرضي في (تاريخ الأندلس) : أخبرني سليمان بن أيوب، قال: سألت محمد بن عبد الملك بن أيمن، عن الأرواح؟ فقال لي: كان محمد بن عمر بن لبابة يذهب إلى أنها تموت. وسألته عن ذلك؟ فقال: كان يذهب عبد الأعلى بن وهب فيما قال ابن أيمن، فقلت له: إن عبد الأعلى كان قد طالع كتب المعتزلة، ونظر في كلام المتكلمين، فقال: إنما قلدت عبد الأعلى ليس من هذا شي ء. انتهى.