فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 148

وقد استدل أرباب هذا القول بقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: 185] ، وهذا حقّ كما أخبر اللّه به، لا مرية فيه، لكن الشأن في فهم معناه، فإن النفس يراد بها مجموع الروح والبدن.

كما في قوله تعالى: وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها [الشمس: 7، 8] .

وقوله سبحانه وتعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النجم: 32] .

وقوله تعالى: وَ لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: 29] .

وقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: 38] .

وقوله تعالى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها [النحل: 111] .

وقوله النبيّ صلى اللّه عليه وسلم: «ما من نفس منفوسة إلا اللّه خالقها» «1» .

وقوله عليه السلام: «ما من نفس منفوسة اليوم، يأتي عليها مائة سنة وهي حيّة يومئذ» . وفي رواية: «لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم» «2» .

والمراد موت الأحياء الموجودين في يومه ذلك، ومفارقة أرواحهم لأبدانهم، قبل المائة سنة، ليس المراد عدم أرواحهم واضمحلالها، فكذلك قوله سبحانه وتعالى:

كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ، إنما المراد كل مخلوق فيه حياة فإنه يذوق الموت، وتفارق روحه بدنه، فإن أراد أنها تعدم وتتلاشى فليس بحق، وقد اشتدّ نكير العلماء لهذه المقالة، حتى قال سحنون بن سعيد وغيره: هذا قول أهل البدع، والنصوص الكثيرة الدالة على بقاء الأرواح بعد مفارقتها الأبدان تردّ ذلك وتبطله. ولكن تخيل بعض المتأخرين موت الأرواح عند النفخة الأولى مستدلا بقوله تعالى: وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزمر: 68] ، وردّ عليه آخرون، وقالوا: إنما المراد به يموت من لم يكن مات قبل ذلك، ولكن ورد عن طائفة من السلف في قوله: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ، أن المستثنى هم الشهداء. روي ذلك عن أبي هريرة عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في حديث الطور الطويل، ومن وجه آخر بإسناد أجود من إسناد حديث الطور. وهذا يدل على أن للشهداء حياة يشاركون فيها الأحياء، وقد قيل في الأنبياء مثل ذلك أيضا.

وعلى هذا حمل طائفة من العلماء منهم البيهقي وأبو العباس القرطبي قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى: وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى. «فأكون أنا أول من يبعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري أ جوزي

(1) أخرجه البخاري (7409) بلفظ: «ليست نفس مخلوقة إلا اللّه خالقها» .

(2) أخرجه مسلم (2538) و (2539) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت