فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 148

بصعقة الطور أم بعث قبلي». وفي رواية: «أو كان ممن استثنى اللّه» «1» . ولأن حياة الأنبياء أكمل من حياة الشهداء، بلا ريب، فشملهم حكم الأحياء أيضا، ويصعقون مع الأحياء حينئذ، لكن صعقة غشي لا صعقة موت، إلا موسى تردد فيه أصعق أم كان ممن استثنى اللّه، فلم يصعق مجازاة له بصعقة الطور، لكن على هذا التقدير فموسى مبعوث قبل محمد صلى اللّه عليه وسلم لا محالة، فكيف يتردد النبي صلى اللّه عليه وسلم في ذلك كله؟!

والفرق بين حياة الشهداء وغيرهم من المؤمنين الذين أرواحهم في الجنة من وجهين:

أحدهما:

أن أرواح الشهداء يخلق لها أجساد، أو هي الطير التي تكون في حواصلها، فيكمل بذلك نعيمها، ويكون أكمل من نعيم الأرواح المجردة عن الأجساد، فإن الشهداء بذلوا أجسادهم للقتل في سبيل اللّه، فعوّضوا عنها بهذه الأجساد في البرزخ.

والثاني:

أنهم يرزقون من الجنة، وغيرهم لم يثبت له في حقه مثل ذلك، فإنه جاء أنهم يعلقون في شجر الجنة. وروي يعلقون بفتح اللام وضمها، فقيل: إنهما بمعنى وأنّ المراد الأكل من الشجر. قال ابن عبد البر: وقيل: رواية الضم معناها الأكل، ورواية الفتح معناها التعلق. ذكره ابن الجوزي. وبكل حال فلا يلزم مساواتهم للشهداء في كمال تنعمهم في الأكل، واللّه أعلم.

وقد ذهب طائفة من المتكلمين إلى أن الروض عرض لا تبقى بعد الموت، وحملوا ما ورد من عذاب الأرواح ونعيمها بعد الموت على أحد أمرين:

1 -إما أن العرض الذي هو الحياة يعاد إلى جزء من البدن.

2 -أو على أن يخلق في بدن آخر.

وهذا الثاني باطل قطعا، لأنه يلزم منه أن يعذب بدن غير بدن الميت، مع روح غير روحه، فلا يعذب حينئذ بدن الميت ولا روحه، ولا ينعمان أيضا، وهذا باطل قطعا، والأول باطل- أيضا- بالنصوص الدالة على بقاء الروح منفردة عن البدن بعد مفارقتها له، وهي كثيرة جدا، وقد سبق ذكر بعضها.

وقد احتج بعضهم على فناء الأرواح وموتها بما روي عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه كان إذا دخل المقابر قال: «السّلام عليكم أيتها الأرواح الفانية، والأبدان البالية، والعظام النخرة، التي خرجت من الدنيا وهي باللّه مؤمنة، اللهم أدخل عليهم روحا منك وسلاما منا» . وهذا حديث خرّجه ابن السني، من حديث عبد الوهاب بن جابر التيمي، حدّثنا حبان بن علي، عن الأعمش، عن أبي رزين، عن ابن مسعود، عن

(1) أخرجه ابن ماجه (4274) ، وأصله في «الصحيحين» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت