فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وعن علي بن أحمد، قال: كان الأسود بن كلثوم يخرج إلى المقابر إذا هدأت العيون، فيقول. يا أهل الغربة والتربة، يا أهل الوحدة والبلى. ثم يبكي حتى يكاد يطلع الفجر، ثم يرجع إلى أهله.
وعن ثابت البناني، قال: دخلت المقابر، فقلت: يا أهل القبور؛ فلم يجبني أحد. ثم قلت: يا أهل القبور؛ فلم يجبني أحد. ثم أجاب عقلي: نحن مثلك، كنا وأنت، وكما نحن تكون.
قال ابن أبي الدنيا: وحدثنا إبراهيم بن سيّار، قال: قيل لبعض الحكماء العرب: ما أبلغ العظات؟ قال: النظر إلى محلة الأموات. ويروى نحو هذا الكلام عن عمر بإسناد ضعيف.
وكان العمري الزاهد يلازم المقابر، ومعه كتاب لا يفارقه، فقيل له في ذلك.
قال: ما شي ء أوعظ من قبر، ولا آنس من كتاب، ولا أسلم من الوحدة.
وقال أبو محرز الطفاوي: كفتك القبور مواعظ الأمم السالفة.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن محمد بن صالح التمار، قال: كان صفوان بن سليم يأتي البقيع في الأيام، فمرّ بي، فاتبعته ذات يوم، وقلت: واللّه لأنظرن ما يصنع. قال: واللّه، فرفع رأسه وجلس إلى قبر منها، فلم يزل يبكي حتى رحمته. قال: ظننت أنه قبر بعض أهله. قال: فمرّ بي، فاتبعته، فقعد إلى جنب قبر غيره، فقال مثل ذلك. قال: فذكرت ذلك لمحمد بن المنكدر، وقلت: إني قلبه ظننته أنه قبر بعض أهله. وقال محمد: كلهم أهله وإخوانه، إنما هو رجل يحرّك قلبه بذكر الأموات كلّما عرضت له قسوة. ثم جعل محمد بن المنكدر يمرّ بي فيأتي البقيع، فسلّمت عليه ذات يوم، فقال: ما يقنعك موعظة صفوان؟
قال: فظننت أنه انتفع بما ألقيت إليه منها.
وعن مطرف الهذلي، قال: كانت عجوز متعبّدة في عبد القيس، فعوتبت في كثرة إتيانها، فقالت: إن القلب القاسي إذا جفا لم يلينه إلا رسوم البلى، وإنّي لآتي القبور وكأني أنظر إليهم قد خرجوا من بين أطباقها، وكأني انظر إلى تلك الوجوه المعفرة، وإلى تلك الأجسام البالية المقفرة، وإلى تلك الأكفان الدلسة، فيا له من منظر.
ولأبي العتاهية «1» :
إني سألت التّراب ما فعلت بعدي ... بجسد وقع فيه الدود متعفّرة
فأجابني صيّرت ريحهم ... يؤذيك بعد روائح عطرة
(1) الأبيات في كتاب «القبور» (ص 90 - 91) (رقم: 87) .