الصفحة 39 من 68

بالنظم، ولا نظم في الكلم وترتيب حتى يعلق بعضها ببعض، ويبنى بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب من تلك» (1) .

ويعود عبد القاهر بالنظم إلى أصل قائم على أساس من علم النحو، وطبيعي أن النحو يعني ببناء الكلمة وإعرابها، ومعرفة هذه الصيغة ـ وإن كانت منصبة على اللفظ ـ فإنها ترتبط بمعنى اللفظ في وضعه بمكانه من المعنى المراد، لأن المعاني لا يحل إبهامها ما لم يقصد إليها من خلال الألفاظ، والألفاظ لا يفهم مؤداها مالم تضبط صياغة وتصريفًا ونحوًا بناء وإعرابًا على حد سواء، وهما متعاونان معًا على كشف العلاقة التي عبر عنها بالنظم و «ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه على النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف منهاجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء» (2) متخذًا بالإضافة إلى هذا التشبيه والمجاز والاستعارة مضمارًا لشرح آرائه، وميدانًا لاستدراكاته على أصحاب اللفظ، وأن النظر إلى هذه المقومات اللفظية بأقسامها وأنواعها لا يعود لألفاظها فحسب، وإنما للمعاني وما تضفيه على الألفاظ مما يكون حسن النظام وجوده التأليف، وهو العلاقة المترتبة على فهم القسيمين اللفظ والمعنى (3) .

وحقًا إنك لتجد عبد لقاهر قوي الحجة، عجيب المناظرة، في جولته النقدية هذه، فلا تكاد تنتهي من فصل سفرية حتى تقع في فصل مثله، يزيدك سخرية بأولئك جرحًا وتقويمًا، وإرجاعًا بآرائهم إلى ما اعتادوه دون روية وتمييز من شغف بالبديع وتعلق بالصناعة، حتى ليصعب فهم ما يقصدون من الكلام، فالسامع يخبط في عشواء، من كثرة التكلف وشدة التمحل، وهو يقرر هذا المعنى بقوله: إن في كلام المتأخرين كلامًا حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ما له اسم في البديع، إلى أن ينسى أنه يتكلم ليفهم، ويقول ليبين، ويخيل إليه أنه إذا جمع بين أقسام البديع في

(1) دلائل الإعجاز: 43.

(2) المصدر نفسه: 61.

(3) الجرجاني، أسرار البلاغة: 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت