الصفحة 46 من 68

دون كلمة ـ وإن اتحدا معنى ـ مؤثرة في النفس، أما بتكثيف المعنى، وإما بإقبال العاطفة، وإما بزيادة التوقع.

فهي حينًا تصك السمع، وحينًا تهيئ النفس وحينًا آخر تضفي صيغة التاثر: فزعًا من شيء أو توجهًا لشيء، أو رغبة في شيء ... هذا المناخ الحافل تضفيه الدلالة الصوتية، ونماذجها في المقل القرآني تتجلى مختارة منه، وحروف صاحبت بعض الكلمات، فعاد لهما الوقع الخاص من النفس، بما لا تعطيه كلمة أخرى، مقاربة للمعنى، أو لا تفرغه صيغة مماثلة من التركيب.

وهذا باب متسع بحدود في دلالة ألفاظ المثل الصوتية، وأثرها في السمع وجلجلتها في الحس، هدوءًا وإثارة، وقد يستوعب جملة من ألفاظه في الجرس والنغمة والصدى والإيقاع، بيد أنني سأحاول عرض أظهرها دلالة من خلال بعض الأمثلة:

أولًا: الكلمة «متشاكسون» في قوله تعالى:

(ضرب الله مثلًا رجلا فيه شركاء متشاكسون ... ) (1) .

تعتبر لغة عن المخاصمة والعناد والجدل في أخذ ورد لا يستقران، وقد تعطي بعض معناها الكلمة «متخاصمون» ولكن المثل لم يستعملها حفاظًا على الدلالة الصوتية التي جمعت في الكلمة حروف الأسنان والشفة في التاء والشين والسين تعاقبان، تتخللها الكاف، فأعطت هذه الحروف مجتمعة نغمًا موسيقيًا خاصًا حملها أكثر من معنى الخصوصية والجدل والنقاش بما أكسبها من أزيز في الأذن يبلغ السامع إلى أن الخصام قد بلغ درجة الفورة والعنف من جهة، كما أحاطه بجرس مهموس خاص يؤثر في الحس والوجدان من جهة أخرى.

ثانيًا: الكلمة «أوهن» من قوله تعالى:

(وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ... ) (2)

(1) الزمر: 29.

(2) العنكبوت: 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت