كلّ إنسان ناطقا بحد ما وقادرا على التعلم فيكون الشعر من جهة انجذابه الطبيعى آلة أو أداة تامّة لتربيته. ولكن لا يمكن استخدام الشعر أداة تربوية إلا إذا كان متجها إلى الغرض الصحيح. وليس ذلك هو الشرط الوحيد فإنه لا يخلو من وجودنا حيوانات ناطقة قدرتنا على القول- أى على النطق- فنلتذ طبيعيا بالأقاويل الموزونة والملحنة"1".
ولكن سواء كان ظهور الشىء طبيعيا أم غير طبيعى فليس يلزم أن يكون ظهوره الأول هو الظهور الأجود. وذلك صحيح بالنسبة إلى النخل حينما يكون بذرة كما هو صحيح بالنسبة إلى الأمير الفاضل حينما يكون طفلا. فيقول ابن رشد وأرسطو أن الشعر يتطوّر مع الزمان وإن كان طبيعيا للناس حتى يبلغ أتم وأكمل حاله بتطوّر الشعراء أنفسهم. وبإشارته هاهنا إلى أوميرش وإلى بعض الشعراء من اليونانيين الذي قد وصلوا مع أوميرش بالشعر إلى كماله الطبيعى يدلّ أرسطو على امتناع اكتماله بلا نهاية فقد بلغت صناعة الشعر إلى أقصى ما يمكن مع هؤلاء الشعراء ولا يستطيع من يأتى بعدهم إلا أن يتقرب قليلا إلى ما حصلوا عليه.
يتفق ابن رشد مع أرسطو في المبدأ هاهنا ولكنه لا يشير إلى شاعر معين"2".
وبالرغم من إيراده أبيات شعر أبى تمام وأبى الطيب المتنبى وحمده لهما مرة بعد مرة فهو يقصر مدحه على نقاط دقيقة من أسلوبهما. وأظن أنه يفعل ذلك لسببين.