السبب الأول حكم ابن رشد أنّ قدر شعر العرب خفيف. فإنه يشير في نهاية التلخيص إلى المعنى الحرفى لكلمة"شعر"لكى يؤكد ما حصّله شعراء العرب في أشعارهم. وهذا في تلخيصه للأنواع الستة من الغلط التي من أجلها يوبّخ الشاعر. فيقول ابن رشد:"وأمثلة التوبيخات غير موجودة عندنا إذ كان شعراؤنا لم تتميّز لهم هذه الأشياء ولا شعروا بها". ومن معانى كلمة"شعر"ليس فقط أنّهم ما عرفوا هذه الأشياء ولكنهم أيضا لم يؤلفوا أبيات شعرهم بحسب هذه الأشياء. ثم بعد ذلك يشير ابن رشد إلى شهرة أبى نصر في فهمه لنص أرسطو ويقول:"إن ما شعر به أهل لساننا من القوانين الشعرية بالإضافة إلى ما في كتاب أرسطو هذا وفي كتاب الخطابة نزر يسير"."1"وهاهنا أيضا من معانى كلمة"شعر"نستطيع أن نفهم قصد ابن رشد هكذا:"أشعار أهل لساننا بحسب القوانين الشعرية نزر يسير". فيظن ابن رشد أنه ليس عند شعراء العرب معرفة شاملة لصناعة الشعر. وقد اقتنعوا بتتبّع الأشكال التقليدية ولم يتساءلوا عن حدودها ولم يحاولوا اصلاحها.
السبب الثاني مرتبط بالمعايير الأدبية الموجودة في القرآن الكريم"2". ومع أنّه ليس بشعر إلا أنّه أحسن ما يوجد في اللغة العربية حتى أنّه لا يمكن أن يكون له مساو. ويوجد فيه أيضا الأهداف الصحيحة للأقاويل المخيلة. وهذا مهم جدا لأنّ ابن رشد مع حمده لأبيات شتى من أشعار العرب من أجل حسنها وأسلوبها الأدبى فهو يلوم الأهداف المتتّبعة فيها من قبل حقارتها وفسادها.
وهذا التفسير للشعر يمثل ما قد يسمى المقدمة لكتاب أرسطو في الشعر وهو يصدر عن الفصول الخمسة الأولى من الفصول الستة والعشرين التي وصلت إلينا.