الصفحة 159 من 343

بما كانت تعبد وبقيتم، فلا يكلمه يومئذ إلا نبيّا فيقول: فارقنا الناس في الدنيا، ونحن كنا إلى صحبتهم أحوج، لحقت كل أمة بما كانت تعبد، ونحن ننتظر ربنا الذي كنّا نعبد، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ باللّه منك، فيقول: هل بينكم وبين اللّه عزّ وجل من آية تعرفونها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق «3» فيخرّون سجّدا أجمعين، ولا يبقى أحد كان يسجد في الدنيا سمعة ولا رياء ولا نفاقا إلا عاد ظهره طبقا واحدا، كلما أراد أن يسجد خرّ على قفاه، ثم يرفع برّنا ومسيئنا وقد عاد لنا في صورته التي رأيناه فيها أول مرة «4» فيقول: أنا ربكم.

-وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة، فإن الصورة تقتضي الكيفية وهي عن اللّه وعن صفاته منفية.

وقال: فإن هذا الموضع يحتاج الكلام فيه إلى تأويل وتخريج، وليس ذلك من أجل أننا ننكر رؤية اللّه سبحانه، بل نثبتها، ولا من أجل أنا نرفع ما جاء في الكتاب وفي أخبار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من ذلك المجيء والإتيان، غير أنّا لا نكيّف ذلك ولا نجعله حركة وانتقالا كمجيء الأشخاص وإتيانها، فإن ذلك من نعوت الحدث، وتعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.

وقال النووي (3/ 19) : اعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات وآيات الصفات قولين:

أحدهما: وهو مذهب معظم السلف أو كلهم، أنه لا يتكلم في معناها بل يقولون: يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال اللّه تعالى وعظمته، مع اعتقادنا الجازم أن اللّه تعالى ليس كمثله شيء وأنه منزّه عن التجسّم، والانتقال والتحيّز في جهة وعن سائر صفات المخلوق، وهذا القول هو مذهب جماعة من المتكلمين واختاره جماعة من محقّقيهم وهو أسلم.

والقول الثاني: وهو مذهب معظم المتكلمين: أنها تتأوّل على ما يليق بها على حسب مواقعها، وإنما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله، بأن يكون عارفا بلسان العرب وقواعد الأصول والفروع، ذا رياضة في العلم، فعلى هذا المذهب يقال في قوله صلى اللّه عليه وسلم: «فيأتيهم اللّه» أن الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه، لأن العادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالإتيان، فعبّر بالإتيان والمجيء هنا عن الرؤية مجازا.

وقيل: المراد بيأتيهم اللّه: أي يأتيهم بعض ملائكة اللّه، قال القاضي عياض رحمه اللّه: هذا الوجه أشبه عندي بالحديث قال: ويكون هذا الملك الذي جاءهم في الصورة التي أنكروها من سمات الحدث الظاهرة على الملك والمخلوق، فإذا قال لهم هذا الملك: أنا ربّكم، رأوا عليه من علامات المخلوق ما ينكرونه ويعلمون أنه ليس ربهم، ويستعيذون باللّه منه.

(3) قال النووي (3/ 27) وفسّر ابن عباس وجمهور أهل اللغة وغريب الحديث الساق هنا بالشدّة، أي يكشف عن شدّة وأمر مهول، وهذا مثل تضربه العرب لشدة الأمر، ولهذا يقولون: قامت الحرب على ساق، وأصله أن الإنسان إذا وقع في أمر شديد شمّر ساعده، وكشف عن ساقه للاهتمام به. وقيل: معناه: كشف الخوف وإزالة الرعب عنهم، وما كان غلب على قلوبهم من الأهوال فتطمئن حينئذ نفوسهم عند ذلك.

(4) قال النووي (3/ 20) المراد بالصورة هنا الصفة، ومعناه؛ فيتجلى اللّه سبحانه وتعالى لهم على الصفة التي-

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت