الصفحة 109 من 3812

المسألة الثانية: اختلف الفقهاء في دخول الكافر المسجد ، فجوزه أبو حنيفة مطلقًا ، وأباه مالك مطلقًا ، وقال الشافعي رضي الله عنه: يمنع من دخول الحرم والمسجد الحرام ، احتج الشافعي بوجوه . أولها: قوله تعالى: { إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا } [ التوبة: 28 ] قال الشافعي: قد يكون المراد من المسجد الحرام الحرم لقوله تعالى: { سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مّنَ المسجد الحرام } [ الإسراء: 1 ] وإنما أسرى به من بيت خديجة . فالآية دالة إما على المسجد فقط ، أو على الحرم كله ، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، لأن الخلاف حاصل فيهما جميعًا ، فإن قيل: المراد به الحج ولهذا قال: { بَعْدَ عَامِهِمْ هذا } لأن الحج إنما يفعل في السنة مرة واحدة ، قلنا: هذا ضعيف لوجوه . أحدها: إنه ترك للظاهر من غير موجب . الثاني: ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، وهذا يقتضي أن المانع من قربهم من المسجد الحرام نجاستهم ، وذلك يقتضي أنهم ما داموا مشركين كانوا ممنوعين عن المسجد الحرام . الثالث: أنه تعالى لو أراد الحج لذكر من البقاع ما يقع فيه معظم أركان الحج وهو عرفة . الرابع: الدليل على أن المراد دخول الحرم لا الحج فقط قوله تعالى: { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ } [ التوبة: 28 ] فأراد به الدخول للتجارة . وثانيها: قوله تعالى: { أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } وهذا يقتضي أن يمنعوا من دخول المسجد ، وأنهم متى دخلوا كانوا خائفين من الإخراج إلا ما قام عليه الدليل فإن قيل: هذه الآية مخصوصة بمن خرب بيت المقدس ، أو بمن منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من العبادة في الكعبة ، وأيضًا فقوله: { مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } ليس المراد منه خوف الإخراج ، بل خوف الجزية والإخراج ، قلنا: الجواب عن الأول: أن قوله تعالى: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله } ظاهر في العموم ، فتخصيصه ببعض الصور خلاف الظاهر . وعن الثاني: أن الظاهر قوله: { مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } يقتضي أن يكون ذلك الخوف إنما حصل من الدخول ، وعلى ما يقولونه لا يكون الخوف متولدًا من الدخول بل من شيء آخر ، فسقط كلامهم . وثالثها: قوله تعالى: { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شاهدين على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ } [ التوبة: 17 ] وعمارتها تكون بوجهين . أحدهما: بناؤها وإصلاحها . والثاني: حضورها ولزومها ، كما تقول: فلان يعمر مسجد فلان أي يحضره ويلزمه وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان » وذلك لقوله تعالى: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الأخر } [ التوبة: 18 ] ، فجعل حضور المساجد عمارة لها . ورابعها: أن الحرم واجب التعظيم لقوله عليه الصلاة والسلام في الدعاء: « اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا ومهابة » فصونه عما يوجب تحقيره واجب وتمكين الكفار من الدخول فيه تعريض للبيت للتحقير لأنهم لفساد اعتقادهم فيه ربما استخفوا به وأقدموا على تلويثه وتنجيسه . وخامسها: أن الله تعالى أمر بتطهير البيت في قوله: { وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ } [ الحج: 26 ] والمشرك نجس لقوله تعالى؛ { إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ } [ التوبة: 28 ] والتطهير على النجس واجب فيكون تبعيد الكفار عنه واجبًا . وسادسها: أجمعنا على أن الجنب يمنع منه ، فالكافر بأن يمنع منه أولى إلا أن هذا مقتضى مذهب مالك وهو أن يمنع عن كل المساجد واحتج أبو حنيفة رحمه الله بأمور ، الأول: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قدم عليه وفد يثرب فأنزلهم المسجد . الثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: « من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل الكعبة فهو آمن » وهذا يقتضي إباحة الدخول . الثالث: الكافر جاز له دخول سائر المساجد فكذلك المسجد الحرام كالمسلم ، والجواب عن الحديثين الأولين: أنهما كانا في أول الإسلام ثم نسخ ذلك بالآية ، وعن القياس أن المسجد الحرام أجل قدرًا من سائر المساجد فظهر الفرق ، والله أعلم . (1)

الابتلاء سنة الله تعالى في خلقه

و قال تعالى: { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (186) ( آل عمران) }

بين - سبحانه - للمؤمنين أنهم سيتعرضون في المستقبل للمحن والآلام كما تعرضوا لذلك في أيامهم الماضية ، وأن من الواجب عليهم أن يتقبلوا ذلك بعزيمة صادقة ، وصبر جميل فقال - تعالى -: { لَتُبْلَوُنَّ في أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيرًا } .

وقوله { لَتُبْلَوُنَّ } جواب قسم محذوف أى: والله لتبلون أى لتختبرن . والمراد لتعاملن معاملة المختبر والممتحن ليظهر ما عندكم من الثبات على الحق ، ومن التمسك بمكارم الأخلاق ، فإن المصائب محك الرجال .

(1) - تفسير الرازي - (ج 2 / ص 293)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت