الصفحة 3283 من 3812

المفصل في فقه الدعوة إلى الله تعالى (16)

جمعها وأعدها وفهرسها

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

شيخ الإسلام ابن تيمية يحاور دجاجلة الصوفية البطائحية

ظهرت في عهد شيخ الإسلام ابن تيمية جماعة تسمى بالبطائحية، وقد كانوا يزعمون الإسلام، وينتسبون إلى الزهد والتصوف، ويدعون التأله والتعبد، ولكنهم يقومون بأعمال شركية، ويظهرون بدعًا ما أنزل الله بها من سلطان، ويحتالون لنيل أغراضهم بالكذب والتلبيس على الناس، ويظهرون أعمالًا وخوارق يدللون بها على أن طريقهم حق وصدق، كالدخول في النار، وملامسة الحيات، وإظهار الدم واللاذن والزعفران وماء الورد والعسل والسكر وغير ذلك.

وقد وقف شيخ الإسلام ابن تيمية في وجه باطلهم، وأنكر عليهم ما خالفوا فيه أحكام الإسلام، وسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وجرت بينه وبين رجالهم وزعمائهم مراجعات ومحاورات، فأقام عليهم الحجة، وكشف باطلهم، ثم ناقشهم في محفل عام حضر فيه الأمراء والقواد والعلماء وكثير من أهل دمشق وغيرهم، وسنذكر طرفا مما جرى بينه وبينهم مما ذكره شيخ الإسلام نفسه (1) .

* هذه المقدمة وهذا الانتقاء للشيخ الفاضل الأردني أ. د عمر الأشقر - حفظه الله -.

1-مجموع فتاوى شيخ الإسلام (11/445-475)

فمن ذلك أن شيخا منهم استدل على باطله بأنه كان عند بعض أمراء التتر بالمشرق، وكان له صنم يعبده، فقال له الأمير التتري هذا الصنم يأكل من هذا الطعام كل يوم، ويبقى أثر الأكل في الطعام بينا يرى فيه. فأنكر ذلك الشيخ ذلك، فقال له الأمير التتري إن كان يأكل فأنت تموت. فقال الشيخ: نعم. قال: فأقمت عنده إلى نصف النهار، ولم يظهر في الطعام أثر، فاستعظم ذلك التتري، وأقسم بأيمان مغلظة أنه كل يوم يرى فيه أثر الأكل، لكن اليوم بحضورك لم يظهر ذلك.

شيخ الإسلام يكشف سرّ هذه المسألة:

فقال شيخ الإسلام: أنا أبين لك سبب ذلك: ذلك التتري كافر مشرك.

ولصنمه شيطان يغويه بما يظهره من الأثر في الطعام، وأنت كان معك من نور الإسلام وتأييد الله - تعالى - ما أوجب انصراف الشيطان عن أن يفعل ذلك بحضورك، وأنت وأمثالك بالنسبة إلى أهل الإسلام الخالص كالتتري بالنسبة إلى أمثالك، فالتتري وأمثالهُ سود، وأهل الإسلام المحض بيض، وأنتم بلق فيكم سوادٌ وبياض. فأعجب هذا المثل من كان حاضرًا!!!

نهي الشيخ لهم عن التعبد بما لم يشرعه الله:

قال شيخ الإسلام: جاءني جماعة منهم مع شيخ لهم من شيوخ البر، مطوقين بأغلال الحديد في أعناقهم، وهو وأتباعه معروفون بأمور، وكان يحضر عندي مرات فأخاطبهُ بالتي هي أحسن؛ فلما ذكر الناس ما يظهرونه من الشعار المبتدع الذي يتميزون به عن المسلمين، ويتخذونه عبادةً ودينًا يوهمون به الناس أن هذا سر من أسرارهم، وإنه سيماء أهل الموهبة الإلهية السالكين طريقهم أعني طريق ذلك الشيخ وأتباعه- خاطبتهُ في ذلك في المسجد الجامع.

وكان مما قالهُ لهُ: هذا بدعة لم يشرعها الله - تعالى - ولا رسوله، ولا فعل ذلك أحد من سلف هذه الأمة، ولا من المشايخ الذين يقتدى بهم، ولا يجوز التعبد بذلك، ولا التقرب به إلى الله - تعالى - لأنَّ عبادة الله بما لم يشرعهُ ضلاله، ولباس الحديد على غير وجه التعبد قد كرهه من كرهه من العلماء للحديث المروي في ذلك وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى على رجل خاتما من حديد فقال: (ما لي أرى عليك حلية أهل النار؟) . وقد وصف الله - تعالى - أهل النار بأن في أعناقهم الأغلال، فالتشبه بأهل النار من المنكرات.

وقال بعض الناس قد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الرؤيا قال في آخره (أحب القيد وأكره الغل. القيد ثبات في الدين) ، فإذا كان مكروها في المنام فكيف في اليقظة؟!...

فقلت له في ذلك المجلس ما تقدم من الكلام أو نحوا منه مع زيادة. وخوفته من عاقبة الإصرار على البدعة. وأن ذلك يوجب عقوبة فاعله، ونحو ذلك من الكلام الذي نسيت أكثره لبعد عهدي به. وذلك أن الأمور التي ليست مستحبة في الشرع لا يجوز التعبد بها باتفاق المسلمين، ولا التقرب بها إلى الله ولا اتخاذها طريقا إلى الله وسببا لأن يكون الرجل من أولياء الله وأحبائه، ولا اعتقاد أن الله يحبها أو يحب أصحابها كذلك، أو أن اتخاذها يزداد به الرجل خيرا عند الله وقربة إليه، ولا أن يجعل شعارا للتائبين المريدين وجه الله، الذين هم أفضل ممن ليس مثلهم.

التقرب إلى الله بفعل المباح والمكروه والحرام لا يجوز:

فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به، وهو أنَّ المباحات إنَّما تكون مباحة إذا جعلت مباحات، فأما إذا اتخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك دينًا لم يشرعه الله، وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها، فلا حرام إلا ما حرمه الله؛ ولا دين إلا ما شرعه الله؛ ولهذا عظم ذم الله في القرآن لمن شرع دينا لم يأذن الله به، ولمن حرم ما لم يأذن الله بتحريمه فإذا كان هذا في المباحات فكيف بالمكروهات والمحرمات!؟ ولهذا كانت هذه الأمور لا تلزم بالنذر، فلو نذر الرجل فعل مباح أو مكروه أو محرم لم يجب عليه فعله كما يجب عليه إذا نذر طاعة الله أن يطيعه؛ بل عليه كفارة يمين إذا لم يفعل عند أحمد وغيره، وعند آخرين لا شيء عليه، فلا يصير بالنذر ما ليس بطاعة ولا عبادة طاعة وعبادة.

العهود التي تؤخذ على الناس مخالفة للكتاب والسنة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت