المفصل في فقه الدعوة إلى الله تعالى (18)
جمعها وأعدها وفهرسها
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
الثبات على الإيمان
عادل عبد الرحمن محمد
وقت تمر الأمة فيه بمراحل حرجة من حروب وفتن ربما لو فكر فيها الرجل العاقل لشرد ذهنه وانخلع قلبه مما يرى، ولكن اعلم أخي المسلم أن الثبات على الحق والتمسك به من صفات المؤمنين الصادقين، قال - تعالى:"يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة"وقدوتنا في ذلك هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد لاقى ما لاقى ومع ذلك كان أشد ثباتًا حتى بلغ رسالة ربه على أتم وجه.
فاحذر أخي من الانتكاس بنوعيه؛ الكلي: وهو الردة، والجزئي: وهو ترك شيء من الدين ببعض الحجج الواهية، فإن الانتكاسَ مَذْمُوم. قال - تعالى:"ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون" {السجدة:} .
وقال - صلى الله عليه وسلم: تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير القلوب على قلبين، قلب أبيض كالصفا، وقلب أسود مربادا كالكوز مجخيا (أي مقلوبًا) لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرًا. وهذه صفة أهل النار ويقول - صلى الله عليه وسلم -."تعس عبد الدينار. تعس عبد الدرهم. تعس عبد الخميصة. تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش".
ومن المعروف أن الدينار مملوك والعبد مالك للدينار فكيف يكون الدينار هو المالك والعبد هو المملوك؟
من ذلك يتبين لنا أن العبد إذا انشغل بجمع الدينار وتركَ عبادة الله كان عبدًا للدينار من دون الله ولذلك يدعو الرسول - صلى الله عليه وسلم - على هذا الصنف فيقول"تعس وانتكس".
وأعجب من ذلك أن يكون المال سببًا في الانتكاس الكلي وهو الردة، فقد ثبت عند الإمام مسلم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أرسل عمر رضي الله عنه لجمع الزكاة فذهب إلى ابن جميل وكان فقيرًا فأغناه الله فطلب عمر منه الزكاة فمنع ولم يعترف بها قال - تعالى:"ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون" {التوبة: 55-57}
فاحذر أخي المسلم من هذا المرض الذي أصاب كثيرًا من أبناء الأمة، أما تخشى أن يصيبك قول الله: فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه.
لقد ضرب صحابة رسول الله أروع الأمثلة في الثبات فنالوا بذلك الدرجات العلا، فها هو أبو جندل بن سهيل بن عمرو حبسه أبوه وقيده بالسلاسل وعذبه وهو حديث عهد بالإسلام لكنه ثبت، بل استطاع أن يفك بعض السلاسل وذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديبية وكان من شروط صلح الحديبية أنه من جاء مسلمًا من قريش ردوه إليها فرده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجع أبو جندل ولم ينتكس بل ثبت على إيمانه حتى لحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيرًا وترك كل ماله لأنه عرف الحق فاتبعه.
واعلم أخي أن الانتكاس سبب لسوء الخاتمة، وأهل الباطل يقفون لأهل الحق على طول الطريق يريدون أن ينالوا منهم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، فلا تنخدع بالشعارات الكاذبة فإنها أوهام، واسأل الله الثبات فقدوتك في ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يكثر من قول:"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، وأكْثِر من الدعاء فهو سلاح المؤمن، وعليك بالعلم فهو الحصن الحصين من البدع وكلما ازددت علمًا فازْدَدْ للهِ خشيةً وخوفًا.
قال - تعالى:"إنما يخشى الله من عباده العلماء" {فاطر: 28} .
والحمد لله رب العالمين.
الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر
محمد الإبراهيم
جاء في كتاب (الأموال) لأبي عبيد، بسنده إلى إبراهيم التيمي قال: ولما فتح المسلمون السواد (سواد العراق) قالوا لعمر: اقسمه بيننا، فإننا فتحناه عنوة، قال: فأبى وقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ وأخاف إن قسمته أن تفاسدوا في المياه..." [1] ."
أراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إبقاء الأرض لتكون وقفًا للأمة، ومصدرًا من مصادر ثروتها وقوتها، وحتى يستمر شحن الثغور وإمداد المجاهدين، وحتى يكون فيئًا للذرية ولمن يأتي بعدهم، وفعل عمر - رضي الله عنه - إنما هو تأصيل لوظيفة الدولة الإسلامية، واهتمامها بأمور المسلمين ووحدتهم واستمرار دعوتهم. وإذا كان بعض العلماء تخلى عن شروط البيعة والشورى المؤسِّسة لشرعية الدولة، فإنما فعلوا ذلك لمصلحة بقاء وظيفة الدولة في إقامة الدين والجهاد وتوزيع الفيء، كما يروى عن علي رضي الله عنه: (لابد من أمير بَرّ أو فاجر، يُقاتل به العدو، ويجمع به الفيء وتأمن به السبل، ويؤخذ منه للضعيف من القوي، حتى يستريح بَرٌّ ويُستراح من فاجر...) .
إن هذه الوظيفة للدولة الإسلامية قد أدركها الخلل في إمارة الحجاج بن يوسف على العراق والمشرق، فقام العلماء عليه آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، بعد أن تفاقم الظلم، وأخرت الصلوات، وأبعد العلماء.