المفصل في فقه الدعوة إلى الله تعالى (3)
جمعها وأعداها وفهرسها
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
الدعاء.. وأثره في نصر الدعوات
حين تشتد بك الخطوب، وتحيط بك الكروب، وتظلم أمام عينيك الدنيا .
حين يضيق الأمر، وتستحكم عليك حلقاته، ولا تجد لك مخرجًا .
حين يتبدل الحال، ويقل المال، وتكثر النفقات، وتتراكم على رأسك الطلبات، ولا تجد معك ما تؤدي به الحقوق والواجبات .
حين تتبدل الحقائق، وتنتكس الفِطَر، ويُهزأ بالقيم، وتُحارب الفضائل، وتمتدح الرذائل .
حين يتكالب الناس على أهل العلم والدين، فيُلجؤونهم إلى ركن ضيق في مكان مظلم مغلق
حين يعلو الباطل وينتشر وينتفش، وينخفض الحق ويستخزي وينكمش. حين يحدث ذلك فيضيق له صدرك، وتلتاع له نفسك فاجأر إلى الله بالدعاء فإنه لا مخرج ولا ملجأ إلا في الدعاء
فالدعاء نعمة كبرى، ومنحة عظمى، تفضل الله بها على عباده، وجاد بها عليهم حين أمرهم به وحثهم عليه، ووالى إحسانه فوعدهم عليه الإجابة، وعلَّقها به، وسيَّرها في ركابه؛ فمتى وُجِد الدعاء فالإجابة معه، كذلكم قال الله وقضى في كتابه العزيز: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداعِ إذا دعان، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) ، وقال جل قائلًا عليمًا: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) ، ولذلك كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: إني لا أحمل هم الإجابة، ولكني أحمل هم الدعاء.
فالموفق من وفقه الله للدعاء، وفتح عليه أبوابه، ويسر له سبله وأسبابه، ووجه قلبه إليه، وحرك لسانه به، والمخذول من خذله الله فأعرض عن الدعاء كبرًا أو جهلًا بقدره، أو غفلة أو نسيانًا (نسوا الله فنسيهم) .
والخلق كلهم محتاجون إلى الدعاء أشد من حاجتهم للماء والهواء، مفتقرون إليه افتقار السمك للماء، لا غنى لأحدهم عنه طرفة عين، لا في وقت من الأوقات ولا في حال من الأحوال: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) .
فإذا كان هذا هو الحال مع عموم الخلق فإن الدعاة إلى الله تعالى أحوج لهذا السلاح من غيرهم لعدة وجوه:
أولا: في أنفسهم أن يصلح الله أحوالهم، وأن يربط على قلوبهم، وأن يثبت للسير على الدرب أقدامهم، فلا تغوينهم الشبهات، ولا تستزلهم الشهوات، ولا يمنعهم عن السير على طريق الحق والدعوة تسلط الأعداء وكثرة العقبات، وأن يستر الله عليهم هفواتهم وزلاتهم ويغفرها لهم ليكونوا قدوة للناس ولا يسقطعهم من عينه فيسقطوا من أعين الناس، وهذا باب لا ينبغي أن يغفل أمر الدعاء فيه.
ثانيا: إن طائفة كبيرة من المسلمين، ومنهم كثير من الدعاة في كثير من بقاع العالم عجزوا عن كثير من أوجه البذل مع الرغبة الشديدة في خدمة الدين، وكثير من هؤلاء لم يبق لهم من شيء ليقدموه أو جهد ليبذلوه إلا أن يبسطوا الأكف ويتضرعوا إلى القوي العزيز بنصرة الدين. وليست جهود هؤلاء الداعين بأقل من جهود من ينكر المنكر بكل جوارحه، أو من يواجه صناديد الكفر والنفاق في كل ميدان، وليست بأقل من جهود الخطباء والوعاظ وكل داعية في كل ميدان، بل هم الجنود الأخفياء الذين علامة صدقهم خفاؤهم، وكم غيرت دعوة من حال ونقلت إلى حال، وكم نفع الله بدعاء عبد ما عجزت عن إنجازه كبير من الفعال.. فلا يستصغرن أحد هذا الأمر فإن فيه ما لا يجتمع في غيره من الخير.
ثالثا: إن الدعاء في كثير من الأحيان قد يكون أمضى من السيوف، وأبلغ في نصر الدعوات وأصحابها من كثير من الجيوش، أو كالمقدمة التي لابد منها للنصر.. والمتتبع لحال الدعوات السابقة والدعاة وعلى رأسهم نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه يجد هذا الأمر واضحا جليا: فما من الأنبياء نبي إلا وكانت له دعوة تتعلق بدعوته وتستمطر السماء لنصرته، وكم مِن الدعاة مَن لم يكن لهم سبيل لنصرة دعوتهم إلا الدعاء، وانظر صاحب قصة أصحاب الأخدود.. وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم في يوم بدر يبيت الليلة كلها يستنزل النصر بالدعاء حتى أشفق عليه صاحبه المقرب أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، والمراقب لحاله عليه الصلاة والسلام يرى الدعاء من أعظم الجند التي كان يتقوى بها على قضاء الحوائج والنصر على الأعادي.
لو أقسم على الله لأبره
روى البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) .
وفيهما أيضا قوله عليه الصلاة والسلام: (ألا أنبئكم بأهل الجنة كل ضعيف متضعِّف لو أقسم على الله لأبره ألا أنبئكم بأهل النار كل عتل جوّاظ متكبر) .
وقد نقل أهل السير عن الصمعي قوله:"لما صافَّ قتيبةُ بن مسلم للتُرْك وهَالَهُ أمرُهم؛ سأل عن محمد ابن واسع، فقيل: هو ذاك في الميمنة جامح على قوسه يبصبص بأصبعه نحو السماء. قال: تلك الأصبع أحب إلي من مائة ألف سيف شهير، وشاب طرير."
فما أحوج الدعوة في زماننا إلى مثل أصبع محمد بن واسع رحمه الله تشكو إلى الله غربة الدين، وتستنزل نصره ومدده. وما أحوجنا إلى ذاك الخفي النقي التقي الضعيف المتضعف الذي لو أقسم على الله لأبره.