المفصل في فقه الدعوة إلى الله تعالى (17)
جمعها وأعدها وفهرسها
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
يا ابنتي الذئاب لا تعرف الوفاء
خليل بن إبراهيم أمين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أنا - يا ابنتي - رجل خبرت الحياة وخبرتني، وعاركت الأيام وعاركتني، وصارعت الليالي وصارعتني، وسحت في الديار شرقها وغربها، وتعاملت مع النفوس شريفها ووضيعها، فخذي مني نصيحة أب مشفق، يحب لك الخير ويتمنى لك الرفعة، نصيحة من يرى كرامتك وشرفك ورفعتك أعز وأغلى عليه من نفسه التي بين جانحتيه.
إي والله - يا ابنتي - هذا هو شعور أي أب نحو ابنته، فخذيها واقبليها وضعيها نصب عينيك، لأني أرى سهامًا نحوك مرصودة قد أصابت حرابها، وأرى شباكًا حولك منصوبة قد امتلأت فخاخها، وأرى الترائي بالرذيلة قد جرت ثيابها، وأرى البراءة من الفضيلة قد اتسع خرقها، وأرى حولك قلوبًا من الرحمة قد أقفرت، وأرى أمامك عيونًا عن البكاء قد جمدت، وأرى بونًا شاسعًا بين دخائل القلوب وملامح الوجوه، وأرى كذب الأسماء عن حقائقها، فالإجرام والفجور فتوة، والتبذل والتفسخ حرية، والرذيلة فنًا، والربا فائدة، وأم الخبائث- الخمر- مشروبًا روحيًا، والانحلال حضارة، ألا ساء ما يزرون.
كل هذا- يا ابنتي- لكي يستمتع بجسدك الطاهر ودمائك النقية ذئاب، بك متربصة، قد سخَّروا أقلامًا غلب جهلها على علمها، لبست لك ثياب النصح والإرشاد، فأقبلوا يخلطون بالبيان شبهًا، وبالدواء سمًا نقاعًا، وبالسبيل الواضح جردًا مضلًا، فالجلود جلود الضأن، والقلوب قلوب الذئاب، فترى وتسمع منهم حشفًا وسوء كيله، قد بيتوا أمرًا تكالبوا عليه مجمعين على غير هدى ولا مثال سابق حتى وقع الحافر على الحافر، ألا ساء ما يزرون.
إنهم يخطون نحوك خطواتهم الأولى ثم يدعونك تكملين الطريق، فلولا لينك ما اشتد عودهم، ولولا رضاك ما أقدموا، أنت فتحت لهم الباب حين طرقوا فلما نهشوا نهشتهم صرخت"أغيثوني"، ولو أنك أوصدت دونهم أبوابك، ورأوا منك الحزم والإعراض لما جرؤ بعدها فاجر أن يقتحم السوار المنيع، لكنهم صوروا لك الحياة حبًا في حب، وغرامًا في غرام، وعشقًا في عشق، فلا تسير ولا تصح الحياة بدون هذا الحب الجنسي الذي يزعمون، وبه يتشدقون. قالوا: لابد من الحب الشريف العذري بين الشاب والفتاة، والله يقول {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 32-33] . فأي حب هذا الذي يزعمون، وأي شرف هذا الذي يتشدقون، {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} .
لا- يا ابنتي- لا تصدقيهم، ولا تصدقي الذئب، لا تصدقيه بأنه يطلب منك الحديث فقط، أترينه يكتفي به، لا، سيطلب المقابلة، فهل يكتفي بهذا؟ لا، سيطلب النظر، ثم العناق، وثم وثم....
فما حديث الحب العذري الشريف إلا شهوة لم تقض، ورغبة لم تتحقق، وما دون ذلك وهم وضلال وتدليس على النفس، إن حديث الحب العذري بين شاب وفتاة خرافة لا تروج شوقه إلا على المجانين والمراهقين وأهل الدياثة والخنا.
فلا تستمعي بما زخرفه الشعراء من أمثال، عنترة وعبلة، وقيس وليلى، وجميل وبثينة، والفرزدق والنوار، وكثير وعزة، وغيرهم.
ولا بما زوره الأدباء في مجدولين، وبول وفرجيني، وكرازبيلا، والأجنحة المتكسرة، فما هذا إلا صورة من صور الرغبة في الاتصال الجنسي لم تجد طريقها إلى التنفيذ، إنها غريزة النوع فلا يرويها إلا ما يتم به، هذه حقيقة ومن أنكرها وجد الرد عليه داخل نفسه، ففي كل نفس يكمن الدليل على أنها حقيقة لا سبيل إلى إنكارها، وفى الحديث « ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما » أخرجه البخاري برقم (5233) .
فالحب العذري الذي يزعمون ما هو إلا جوع جنسي، فهل يصدق الجائع إذا حلف بأغلظ الأيمان أنه لا يريد من المائدة الشهية إلا أن ينظر إليها، ويشم ريحها من على البعد فقط، كي ينظم في وصفها الأشعار ويصوغ القوافي.
فالضحية أخيرًا أنت - يا ابنتي - يأتي الشاب فيغوي الفتاة، فإذا اشتركا في الإثم ذهب هو خفيفًا نظيفًا، وحملت هي ثمرة الإثم في حشاها، ثم يتوب هو فينسى المجتمع حوبته، ويقبل توبته، وتتوب هي فلا يقبل لها المجتمع توبة أبدًا، وإذا هم هو بالزواج أعرض عن فتاته التي أفسدها مترفعًا عنها، ومدعيًا أنه لا يتزوج البنات الفاسدات، ولسان حاله يقول: أميطوا الأذى عن الطريق؟ فإنه من شعب الإيمان،
أين ما أخذه على نفسه من وعود؟ أين ما قطعه من عهود؟